الفصل 5
مر أسبوعين كأنهم غمامة، وعيلة جعفر لسه زعلانين على موته، بالذات مراته وبنته. الأمور لسه في بدايتها، بس كانوا شايفين تغييرات كتير من عيلته. بعد اليوم السابع، ولا واحد من قرايبه زارهم تاني، ولا حتى سألوا إذا كانوا محتاجين مساعدة.
الشخص الوحيد اللي قدروا يوروا للعالم إنهم بيقدروه كان "بابا" وأخو جعفر الصغير اللي كان معاهم طول الفترة دي.
"بابا" كان بيزورهم كل يوم، بيتأكد إنهم مش ناقصهم حاجة. هو اللي كان مسؤول عن كل الأكل اللي بيتقدم للناس اللي بتيجي تعزيهم.
في اليوم الـ15 من وفاته، "بابا" زارهم بعد صلاة الجمعة مع السواق بتاعه. لقى آمنة وبنتها داليا، لسه زعلانين زي ما هما.
"يارب تكوني بخير." آمنة ابتسمت وردت. مسح حلقه بعد ما خلصوا كلام المجاملة. "داليا،" نادى على اسمها وهو بيبتسم. جاوبت وبصت لفوق. "ممكن تسمحيلنا بدقيقة، عايز أتكلم مع مامتك," قال بأدب. ابتسمت شوية وهزت راسها. كانت بتحترمه أكتر من الكلام. قامت على رجليها بهدوء ودخلت أوضتها.
حول نظره لآمنة اللي كانت مدنجة راسها طول الوقت. كنت تعرف إنها بتمر بوجع كتير، بس مش عايزة تتكلم عنه. أخدت نفس عميق وهي بتحط إيدها على خدها، وسندت كوعها على رجلها. "آمنة، كنت عايز أتكلم مع أبو داليا عن حاجة، بس ربنا ليه خطط أحسن لينا. أنا عارف اللي هقوله ممكن يبان أناني، ومش منصف، بس اللي ناويه أعمله ده عشان ربنا، وأنا عارف إنه هيكون الأحسن لينا كلنا. لو تسمحي، عايز أخد داليا معايا، أعتقد إن ده أقل حاجة ممكن أعملها لصاحبي جعفر."
بصتله بصدمة لثواني، وشالت عينيها منه. إيه يعني ياخد بنتها معاه؟ إزاي هتعيش لو أخد الشخص الوحيد اللي متبقى في حياتها؟ "يا حاج، عملت لينا كتير، لدرجة إن كلمة شكر مش كفاية، ومش هنقدر نردلك اللي عملته. وأنا ما أعتقدش كنا هنعمل حاجة من غير دعمك. شكراً على مجهودك ووقتك، بس مش ممكن أديكِ بنتي، هي الوحيدة اللي ببص عليها وبحس بالراحة."
عرف إن مش سهل يقنع آمنة بالموضوع ده، بس داليا تستاهل حياة أحسن. تستاهل تكمل تعليمها. تستاهل كل الحب والرعاية والدعم اللي هتحصل عليه. "أنا عارف يا آمنة، عارف إنه مش سهل، بس عايز أساعدك، عشان ربنا، وأخلي حياتها أحسن. داليا تستاهل تكمل دراستها، مش كده برضه؟"
وقتها افتكرت، كانت دايماً عايزة بنتها تكمل تعليمها، تبقى دكتورة أو ممرضة، أو حتى مهندسة، أي حاجة داليا عايزاها. بس عيلة أبوها مش هيخلوا بنتها ترتاح. لو مش عشان جعفر كان قوي، كانوا جوزوا بنتها للي عايزينه من زمان. يمكن دي فرصة عظيمة لبنتها تحقق أحلامها. وعرفت لو سابت داليا معاها، أكيد هيجوزوها.
بصت لـ"بابا" اللي كان شكله حيران. ابتسمت شوية وهزت راسها. "عندك حق، وأنا موافقة، بس، لازم تروح تتكلم مع أخو أبوها الأول. لو وافق، أنا هدي داليا لحد ما تكون جاهزة للجواز." ابتسم وهز راسه. "بيته فين بالظبط؟ هروح أتكلم معاه على طول," قال.
داليا أخدته للبيت زي ما مامتها طلبت، ورجعت على طول. أخو جعفر الصغير، جبريل، طلع على طول لما سمع إنه "بابا". قعدوا على الحصيرة المنسوجة، وتبادلوا المجاملات قبل ما "بابا" يقوله إيه اللي جابه لبيته. جبريل سكت شوية قبل ما يهز راسه. "ده شيء يدعو للفرح. حد مستعد يساعدك مهما كان بسيط، لازم تقدره دايماً. هكون سعيد جداً لو داليا راحت لأبوجا وكملت دراستها. طالما مامتها موافقة، أنا معنديش مشكلة."
"بابا" ابتسم بفرح وشكره بلا توقف. مكنش قادر يوقف إحساس الذنب لأنه ما ساعدش جعفر قبل ما يموت. فكر؛ يمكن دي الطريقة اللي يقدر يساعد بيها صاحبه حتى لو مابقاش موجود.
رجع لبيتهم بعد كده، وقال لآمنة كل اللي اتكلموا فيه. مشي بوعد إنه هيجي ياخدها بعد 40 يوم من وفاة جعفر.
في الليل، آمنة نادت داليا لأوضتها. مكنتش عارفة إزاي هتبدأ تحكي لبنتها عن الموضوع. كانت عارفة إن داليا عنيدة، وهيكون صعب تقنعها. "يا داليا بتاعتي، عايزة تكملي دراستك وتكوني الجراح اللي دايماً كنتي عايزة تبقيها؟" سألت آمنة، وهزت راسها ببطء وهي بتبتسم. آمنة قدرت تشوف إزاي عينيها بتلمع لما ذكرت التعليم.