الفصل 67
“أمي، أنا رايحة أشتري حاجة دلوقتي. حأرجع قريب.” بصت أمها على ساعة الحائط قبل ما تحول نظرها لداليا وهزت راسها. “متتأخريش وخلي بالك.” هزت داليا راسها قبل ما تمشي. اتنهدت أمها وهزت راسها. يا ريت بس داليا تفتح قلبها وتقول إيه اللي مضايقها بالظبط، بس هي عنيدة أوي ورأسها يابس.
مع كل خطوة، عقلها بقى أوضح، وأكثر تصميمًا، كأن المسافة الجسدية اللي بتزيد بينهم اتحولت دلوقتي لشق عاطفي. مع غروب الشمس البرتقالية، لامست وشها الشاحب، ووعدتها بنهاية سعيدة. دفنت ذكرياتها عنه في جليد سميك الجدران. بعدين، وقفت فجأة علشان تغمض عينيها المتعبة وتاخد نفس عميق من الهوا المندي، وجهزت نفسها علشان تفكر بس في مستقبلها من دلوقتي، مستقبلها من غيره. مستقبل هي اللي حتشكله، وتبنيه، وتوجهه. وبعدين، مع كل خطوة بعد كده، حست إنها مسيطرة أكتر، بتتحكم في عقلها وجسمها وروحها. كانت بنت بتمشي في مصيرها، مصير موجود بين إيديها هي.
من ولا حاجة خالص، سمعت صوت عربية بتعمل كلاكس وراها. غيرت مسارها بسرعة من الطريق وكملت مشي، من غير ما تبص ورا. العربية عملت كلاكس مرتين لدرجة إنها اضطرت تحول نظرها عشان تشوف مين اللي بيشتت انتباهها عن مشيتها الهادية.
قلبها ومعدتها رفرفت لما شفايفها اتنتشرت لفوق. صرخت لما هو نزل من العربية. أدالها ابتسامة مشرقة، أقرب لضحكة. “كده وحشتك أوي؟” ضحك بحرارة. حطت داليا ذراعاتها على صدرها وهي بتكشر وبتحول راسها بعيد. إزاي ما عرفتش تخفي مشاعرها؟ فجأة حست بإحراج للي عملته من كام ثانية. دلوقتي حيعرف إنها وحشته، أو الأسوأ من كده، إنها بتحبه.
ضحك بهدوء وهز راسه. “خلاص، أنا آسف، أنتِ ما وحشتنيش، أنا عارف. دلوقتي ممكن تدخلي العربية؟ لازم نتكلم.” بصت داليا في اتجاهه وعيونهم اتلاقت. نزلت نظرها من عيونه اللي بتترجى قبل ما تمشي بتردد للباب وفتحته. أخد نفس عميق من الراحة قبل ما هو كمان يدخل. ركز عينيه عليها. “بصي لي دلوقتي، لو سمحتي”، ترجى. حولت داليا نظرها ليه ببطء، “ليه مش عايزة تتجوزيني؟ مش بتحبيني؟” أخدت نفس عميق وبصت بعيد. “مش ده السبب بتاعي.”
“يعني أنتِ بتحبيني؟” سأل قبل ما يغمز. بصت له داليا بغضب وبصت بعيد، “لسه مش حأجاوب على السؤال ده.” رجع هو راسه لورا وضحك. بصت داليا على وشه اللي بيضحك وأدركت إنها وحشته كتير. إزاي ممكن تقول له لأ تاني دلوقتي؟ “خلاص قولي لي سبب رفضك لي.”
“بصراحة... بس... أنا خايفة أوي من أمي وبعدين مراتك... أنا بس...”
“بس محدش حيداري يأذيكي يا داليا. بابا وافق على ده، عمك وأمي كمان. يبقى ليه خايفة أصلاً؟” سألها. عينيها وسعت، عمها كمان عارف؟ حولت راسها بعيد وهي بتبتسم بخجل.
“خلاص اسمعيني؛ أنا بحبك. ده معناه إني حأدافع عنك بروحي حتى لو الصعاب كانت لا تُقهر. ده معناه إني حاكون جنبك في الأوقات الصعبة والمؤلمة. ده معناه إني حأرقص وأفرح معاكي لما الأوقات تكون حلوة. ده معناه إني عمري ما حاخونك، وعمري ما حاستسلم عليكي. عمري ما حاأتخلى عنك وأنا ملكك للأبد.” بص في عيونها اللي مش بتطرف لدقايق. عدت دقايق بس هي ما نطقتش بكلمة ليه. ليه مش بتقول أي حاجة؟ هي حترفضه تاني، هو صرح في عقله. رفع حاجبه، “ها؟ أخد موافقة ولا أرجع البيت وأنزف؟” اتكلم بمرح.
غمضت داليا عينيها وهي بتبتسم، خدودها بتحمر وبتسخن. نزلت راسها وهزت راسها ببطء. عيونه اتفتحت على الآخر وهو فاتح بقه. قالت آه؟ “آه؟ حتتجوزيني؟ ده اللي تقصديه صح؟” ضحكت بهدوء وهزت راسها تاني. “أه... يا رب... الحمد لله... شكرًا، شكرًا علشان قلتي آه. إن شاء الله حاخليكي أسعد زوجة في الدنيا.” ابتسمت له، “يارب.”
كمل بيهديها لحد ما وصلوا البيت. “ممكن أدخل؟ لازم أتكلم مع أمي في الموضوع ده.” بص حوالين حيهم قبل ما يركز نظره عليها. “حأروح أقول لها إنك هنا.” نزلت داليا من العربية وجريت. هو كمان نزل من العربية وهو عارف إنها مش حترجع.
جريت داليا من جنب أمها على أوضتها. بصت أمينة على الباب لما سمعت صوته. قامت من على الكرسي وهي بترد على تحياته. “يا محسين، أهلاً بك.” فردت المات اللي منسوجة له. تبادلوا المجاملات قبل ما يبدأ باللي جابه. “أخيرًا رجعت لعقلها. عشان كده دخلت وجريت على أوضتها.” دمر رأسه أكتر وهو بيبتسم بخجل.
“أنا مبسوط أوي إنها وافقت. حأقول لعمها وهم حيناقشوا كل حاجة مع الحاج. ربنا يبارك فيك ويحميك.” شكره قبل ما يعلن إنه ماشي.