الفصل 90
لو بس عمتي عرفت ليه داليا بتنزّل دموعها، ما كانت قالت لها كذا. كانت بتبكي كأن مخها بيتفرّم من جواها. ألم عاطفي كان بيخرج من كل مسامها. حضنت عمتي أقوى عشان الرعشة العنيفة ما توقعهاش، ومن عينيها نزلت دموع أغزر من أي وقت فات. كل العالم اختفى بالنسبة لها، دلوقتي فيه بس ألم كفاية يغيرها لدرجة ما تعرفش نفسها.
**
وهكذا مرت الأيام. بتطير من غير ما سكانها يحسوا بيها. السما الرمادية والغيوم المنخفضة علقت في جسمه وروحه كأنها بتعدي، وهو نايم على سريره، يوم ورا يوم بيبص على الشباك. كان النور الوحيد في أوضته، بينور الحيطان بـ كآبته، وبيتوزع على وشه. كان بيمشي في أوضته، وعنده أفكار كتير عن اللي حصل من أيام، حافي، لابس بس بيجامة، شعره مبهدل، وماسك كوباية قهوة. حتى ساعتها كل اللي حس بيه هو طعم الرماد.
تليفونه رن للمرة اللي مش عارف كام في اللحظة دي بس ما حسش إنه لازم يجاوب. ما قدرش يتذكر آخر مرة لمس فيها تليفونه، ناهيك عن إنه يتواصل مع أي حد. أخد نفس عميق وهو بينزل على سريره الناعم. فرك عينيه المتعبين قبل ما يغمضهم. لو بس يقدر ينام شوية يمكن يحس إنه أقل اكتئابًا وحزنًا.
تليفونه رن تاني بس المرة دي، بص على التليفون اللي على الكمودينو. قعد ببطء قبل ما ياخده. رد على المكالمة واتكلم فيه. "محسن؟ وين رحت؟ ليه كنت بتصل عليك وما بتردش؟ إيه اللي حصل معاك؟ سبت مراتك في المستشفى وما اهتميتش حتى تيجي تطمن عليها من عشرة أيام. أنت كويس؟" قشعريرة مشيت في ضهره لما سمع أمه بتزعق. ما قدرش يقول إنه سمع أمه بتتعصب كدة قبل كدة. كانت دايما هادية مهما كانت الظروف بس بسبب شخص بوظ مستقبله، حلمه الوحيد، هي بتتعصب؟ "يا محسن، إيش تبغي أهلها يفكروا. أمها زارت من كم يوم وأنا متأكدة إنها لازم بتتساءل ليه بنتها هنا بدل بيتها."
أخد نفس قبل ما يجمع شوية شجاعة ويفتح بقه عشان يعترض بس قطعت كلامه. "ما فيش بس، الأفضل إنك تيجي تاخد مراتك النهارده. لو ما ظهرتش في خلال ساعة، حيكون عندنا مشكلة كبيرة." وبكدة، قفلت المكالمة.
سقط التليفون في نفس الوقت اللي سمع فيه الباب بيتفتح وأميرة ظهرت. ابتسمت له وهي بتمشي ببطء ناحية سريره. "يا حبيبي، أنت رافض تقول لي إيه اللي حصل. شفتي نفسك؟ شكلك..." سكتت وبصت على وشه وقلبها بيدق بسرعة. يمكن راحت بعيد أوي، بس من ناحية تانية، اللي عملته ما كانش حاجة. وما فيش حد حيعرف إنها هي اللي أجهضت البيبي.
مرر إيده على خدها، وابتسم للمرة الأولى من أيام. "شكلك قلقانة بجد،" قال وهو لسه بيلمس وشها. هزت راسها، ووشها منور، "لأني قلقانة عليك، يا حبيبي. دايما بتشك في حبي ليك. أقول لك إيه؟ عندي حاجة أقولها لك وأنا متأكدة إنك حتحبها وحتفرحك." رفع حواجبه، وابتسم. شك لو فيه أي حاجة ممكن تفرحه في اللحظة دي. "إيه هي؟" سأل. عدلت قعدتها على رجله وهي بتلف دراعاتها حوالين رقبته.
مررت إيديها في شعره المبهدل وباست شفايفه. "قررت... إني عاوزين نخلف بيبي، أقصد نبتدي عيلتنا. أنا مستعدة أسعدك وأعمل أي حاجة أنت عاوزها. عاوزة أتغير، للأحسن، أوعدك." أخد وقت قبل ما كلامها يثبت في رأسه. فتح بقه بدهشة. أميرة بجد هي اللي بتقول الكلام ده؟ الست اللي قالت إن شغلها أهم بكتير من إنها تبدأ عيلة. "بمعنى الكلمة، يا حبيبي؟ بجد؟" سألها. هزت راسها ببطء، وابتسمت. "بمعنى الكلمة، بس بشرط إنك توعدني إنك بتحبني." محسن باسها برفق على شفايفها، وابتسم. "مين قال إني مش بحبك؟" ابتسمت ورجعت تبوسه تاني. سحب نفسه تقريبا على طول وحضنها أقرب. "كان عندك حق، فعلا فرحني." ضحكت وحضنته هو كمان. طريقة مثالية عشان تخلص خطتها وتبعّت داليا.
"أتمنى ده ما يخلصش بس لازم أروّح نفسي بسرعة وأروح آخد داليا من بيت أهلي." فكت حضنه، ورمقت بعينيها. "ليه لازم تذكر اسمها؟" ضحك بهدوء وهو بيحررها. "قلت لك بس إيه اللي حأعمله دلوقتي، ده كل اللي في الموضوع. وبعدين، إيه دخلي بالبنت؟ أنا بس حاروح آخدها. ولا عاوزة تيجي معايا؟" هزت راسها بسرعة وقامت من على رجله.
"حآخد دش سريع دلوقتي وأقابلك تحت." دخل الحمام وتركها في أوضته. صرخت أول ما قفل الباب. ضحكت بسعادة وهي بتعمل طريقها للخارج.