الفصل 96
"أنا وظفت لك سائق لأنني ما عندي وقت أوصلك للمدرسة الحين. هو ينتظرك برّا." نظر بعيدًا وحوّل نظره على أميرة وهي متمسكة فيه. مفاصل يديها بيضاء من كثرة الضغط على قبضتها، وأسنانها تصدر صوتًا من محاولتها أن تظل صامتة، شكلها المنحني يشع كراهية مثل الحمض؛ يحرق، يقطع، قوي. وجهها أحمر من الغضب المكبوت وهي تقتحم غرفة المعيشة.
قابلت السائق الجديد وهو ينتظرها بالخارج. حيّاها لكنها ما قدرت تفتح فمها وترد عليه. ابتسمت مجبرة وهزت راسها. فتح لها الباب الخلفي قبل ما تدخل وتستقر. بعدين، تركت دموعها تنزل بحرية. ما كانت مجرد بكاء، كان نوع البكاء اليائس اللي يجي من شخص منهك من كل أمل. نظرت من النافذة، على الرغم من أن دموعها ضبابية الرؤية.
صار عندها لخبطة أكثر لما أفكار كثيرة هجمت على عقلها. كان عندها أشياء كثيرة تغضب منها وأشياء كثيرة تبكي عليها. لو كانت تدري من اليوم الأول، ما كانت قبلت به، كانت بتبعد لما أميرة حذرتها بس هي خلت عنادها يتغلب عليها. الحين مين اللي في القاع، هي. وشكت لو عندها طريقة تخرج منها.
"وصلنا، آنسة," أعلن، وهو ينظر لها من مرآة الرؤية الخلفية. نظرت إليه قبل ما تطلق تنهيدة طويلة. مسحت الدموع قبل ما تنزل من السيارة. خفضت راسها وهي تمشي ببطء تجاه الحديقة. آخر شيء تبغاه هو إن صديقاتها يعرفون ايش قاعد يصير معاها.
عند دخولها الحديقة، نسيم خفيف يهز الأوراق ويخليها تطيح على الأرض الصلبة وحدة وحدة. الهوا كان دافئ، أشعة الشمس تتدفق على وجهها الشاحب. الزهور كانت كثيرة، وهي تخفي العشب الأخضر المقصوص حديثًا. الممر ما كان أكثر من تراب مبعثر فيه صخور عشوائية. ابتسمت شوية وهي تناظر حولها. الطبيعة دائمًا عندها مكان خاص في قلبها.
جلست على المقعد اللي كان مقعدها المفضل تجلس عليه. الشيء اللي خلاها ترتاح أكثر، ما كان فيه ناس كثيرين وقتها. يمكن تقدر تكمل بكاء بدون ما أحد يلاحظها.
هزت راسها، متنهدة؛ هذا كان المكان الوحيد اللي تقدر تحصل فيه على راحة البال الحين بعد ما بيتها تحول إلى جحيم ما تقدر ترتاح فيه. نظرت إلى السماء عشان ترجع الدموع اللي كانت تهدد أنها تنزل. ‘مع العسر يسر.' ذكرت نفسها. والمسؤولية الإنسانية محدودة بحدود معينة. كل اللي تقدر تسويه الحين هو إنها تنفذ واجباتها وأفضل شيء ممكن تسويه في ظروفها وتترك النتائج لله.
داليا نظرت لها بغضب وطوت ذراعيها. لمدة أكثر من عشر دقايق وهي واقفة عند الباب، تنتظر أميرة تخلص مكالمتها بس شكلها ما راح تخلص قريبًا. وعرفت إن أميرة سوت كذا عن قصد.
انتظرت خمس دقايق زيادة قبل ما تقاطعها، "أنتِ واضح تعرفين ليش أنا هنا، ومع كذا قررتي تتصرفي بغباء معي." أميرة حولت نظرها على داليا. أنهت المكالمة وهي تستقر كويس على السرير. فتحت فمها على داليا قبل ما ترمي راسها للخلف وتضحك. "أنتِ... أنتِ جد تبين تلعبين هذي اللعبة معي وأنتِ تدرين إني مسيطرة على كل شيء بما فيه الزوج اللي ادعيتي إنك تمتلكينه. نصيحتي لكِ الأفضل إنكِ تطيعيني وإلا أقدر أسوي لك مشاكل أكثر، وهذا يعني إنه بيكرهكِ أكثر، الأمر يعتمد عليكِ. وأبغى آكل سباغيتي، أضيفي جمبري بعد." استندت بظهرها على المخدة قبل ما تمسك جوالها مرة ثانية.
داليا نظرت لها إلى البطن المنتفخة اللي كبرت مرة وتجهمت. هزت راسها وابتعدت بسرعة. ما كان فيه إلا شيئين خلاها تسوي أي شيء أميرة تبغاه. الأول؛ إنها تطيع زوجها على الرغم من إنها بدأت ما تشوفه كذا. الثاني؛ لأن أميرة كانت ثقيلة الحين وعرفت إن أميرة تحتاج مساعدتها. عرفت حتى لو ما كانوا راح يشكرونها، بالنهاية راح تحصل على حسنات.
بعد ساعة لما خلصت طبخ الغداء، راحت لغرفتها عشان ترتاح. بس لما كانت على وشك تنام، جرس الباب يدق وعرفت إن أميرة مستحيل تقوم وتفتحه، ومحسن ما كان في البيت. تنهدت، وهي تطلع من سريرها وتمشي ببطء.
ببطء فتحت الباب قبل ما تفتحه. عيونها فتحت فمها شوية. "مفاجأة! مو راح تحضنيني؟" عيونها تدفقت بالدموع ببطء، الغضب على اللي سوته أميرة لها راح. قبل ما تدري، كانت تحضن أمل بقوة، دموعها تنقط من خدودها على حجاب أمل الأبيض.
"ليش تبكين الحين؟ كأنك ما شفتييني من سنين." أمل كسرت الحضن ولفّت ذراعها حول كتوف داليا وهم يمشون في غرفة المعيشة سوا. "آسفة، ما توقعت أشوفكِ. بس أنا مرة مرة سعيدة إنكِ هنا." حضنت أمل مرة ثانية قبل ما تتركها. "أكيد راح تسولفين لي عن كل شيء. كيف ماما؟ ليش ما جات معاكِ؟"
"بالراحة، أنا بس هنا لمدة أسبوع. زوجكِ كلم عمتي الليلة الماضية وسأل إذا أقدر آجي لأسبوع وهي وافقت." فتحت فمها على أمل، فمها مفتوح بتعبير مذهول. محسن سوى كذا عشانها؟ يعني هو يهتم فيها. ما قدرت إلا أنها تبتسم على الفكرة.