الفصل 56
«بس أنا أتمنى أني ما أزعجتكش.» هزت راسها كأنّه موجود قدامها قبل ما ترد. «احكيلي عن نفسك لو تسمح.» كانت عايزة تعترض و تسأل ليه بيعمل كدة. هدّت أعصابها و مسحت على زورها. «إيه اللي تحب تعرفه عنّي؟» سألته. «كل حاجة لو ممكن.»
ضحكت شوية و طلعت تنهيدة. «طيب، إسمي داليا جعفر. عايشة في كوجي بس من كاتسينا. درست إبتدائي و إعدادي هنا في أبوجا. و دلوقتي بدرس ميكروبيولوجيا في جامعة النيل. و بس، أعتقد.»
«أنا كمان درست في جامعة النيل بس عملت الماجستير بتاعي في الهند.» كمل يعرّف بنفسه عليها و هما بيتعرّفوا على بعض أكتر قبل ما يغيّر الموضوع لموضوع تاني. «لازم أقولك حاجة يا داليا. و... مش عارف إزاي هتاخديها....» طلع نفس بيترعش. «إيه هي؟» سألته اللي خلاه متوتر أكتر ما هو. «بصي أنا عارف إننا اتقابلنا شوية صغيرة و اللي هقوله ممكن يبان جنان بالنسبة لك بس أنا شوفتك.... أول مرة و قلبي دق جامد. و.... أه... حسيت بقلق شوية لما شوفتك اليوم اللي فات. ما قدرتش أتحكّم يا داليا. ما بتغيبيش عن بالي. أنا مش بلف و أدور عشان أعجبك بس أول ما قابلتك تاني مرة في حياتي، عرفت إنك إنتي، إنتي اللي عايز أقضي أيامي أفكر فيها، إنتي اللي عايز أشارك حياتي معاها، إنتي اللي عايز أفرح بيها في أي لحظة سعادة. و إنتي اللي عايز أحبها لباقي عمري. عرفت كل ده بمجرد ما اتقابلنا.»
كانت متوقعة يقول كدة بس ما فكّرتش إنّه هييجي بسرعة كدة. حاولت تتذكّر إزاي تتنفّس، مش قادرة تتكلم، مصدومة تماماً من كلامه. تتجوز و تنتهي زي بينتا؟ و لا حتنقطع عن أمها تماماً؟ غمّضت عينيها و رجعت للواقع، ليه بتفكّر حتى في إنها تبقى مراته؟ «أنت بتهزر صح؟» لقت صوتها. «لأ، لأ أرجوك أنا ممتن جداً بس لأ شكراً، مش ممكن أعمل كدة.»
«ياريت تقوليلي السبب اللي يخليكي مش عايزة تديني فرصة، يا داليا؟» صوته كان يائس و محبط. بس مش حايستسلم، لسة شوية. «لأنّي مش جاهزة لأي حاجة من دي.» صرخت بصوت واطي. مسكت في الموبايل لما كان حايقع من إيدها اللي بتعرّق. قلبها بيدق و مسموع. «دي مش حجة يا داليا. بصي... أنا عارف إنك خايفة بس ممكن تديني شوية وقت تفكّري في الموضوع.» إنّه يخسر داليا كان آخر حاجة ممكن يعملها. كانت غالية و محسن أثبت له إنّها جوهرة ثمينة، هدية من ربنا.
«أرجوك، أنا مش جاهزة، مش حأكون جاهزة قريب، عندي مدرسة أواجهها و أمي لازم آخد رأيها.»
«أمّك حتبقى سعيدة جداً بده، أنا متأكّد. مين مش عايز يشوف بنته بتتجوز.»
«تصبح على خير يا دكتور يوسف.» و قفلت المكالمة. زقّت الموبايل تحت مخدّتها و انفجرت في البكا. ليه بيقول إنّه بيحبها؟ ليه بيفكّر في كدة؟ في سنّها الصغيرة؟ عندها كام سنة عشان حتفكّر في الحب؟ دي إساءة للأطفال، فكّرت في نفسها.
شهقت في مخدّتها و مسكت فيها. ليه بتعيط؟ سألها اللي جواها. حاتكمل تسعتاشر سنة في شهرين، مش صغيرة. و هو معاه حق، لو أمّها عرفت، حتبقى سعيدة. بالذات دلوقتي و هي رجعت للمدرسة.
هل بتفكّر إنها تديه فرصة عشان يثبت الحب اللي بيقول إنّه بيحسّه؟ سفهت، متضايقة من نفسها. بس ماذا لو إنّها تديه فرصة فعلًا؟ حيتجوزها؟ حيفصلها عن أمّها؟ هل حيسمح لها تكمل دراستها؟ لأنّها عارفة إنّ معظم الرجالة ما بيسمحوش لمراتهم يكملوا تعليمهم.
يمكن هو مختلف. يمكن حيخلّيها سعيدة، جزء منها قال لها. الدموع عملت غشاوة على نظرها و أفكار مختلفة بتدور في دماغها. حاتعمل إيه دلوقتي؟ ليه هي؟ ليه ما يتجوزش واحدة من بنات عمّاته زي ابن عمهم، أحمد؟
ما نامتش. ما قدرتش. فضلت تبص على السقف و هي بتعيّط، بتتخيّل مين اللي ضدّها.
**
فركت المكان بإيدها و هي متألمة. بعد ثواني شوية الألم خف بس زاد تاني، أسوأ بكتير من الأول. سفهت بضيق قبل ما تقعّد فوطتها السخنة على درجها الجانبي.
عقلها صرخ و الألم ماشي في بطنها السفلية. كل فكرة كانت عندها اتلخبطت و الألم بيلسع في بطنها زي إبرة ساخنة. بكت على عذابها.
حاولت تقوم عشان تجيب مساعدة بس موجة ألم تانية فجأة غمرتها. ركعت هناك قبل ما تصرخ عشان المساعدة. حاولت تقوم بس فشلت. فجأة سمعت خبطة خفيفة من الباب، و هي بتعيط، طلبت من أي حد كان جاي يدخل. «سبحان الله، يا داليا، إيه اللي حصل؟» سألت الخدامة و هي بتقرّب. «روح بس قولّي لماما، اتصّلي بيها دلوقتي....» اتألمت تاني و صرخت من الألم. شكّت إنّ فيه حد بيعاني من مغص الدورة زي ما بتعاني هي.