106
ريحة القهوة ملت الوحدة السكنية في وسط ميونخ.
النسيم اللي دخل من الشباك المفتوح، بجد جاب هوا بارد. بس بالنسبة للشخص اللي ساكن في الوحدة، الهوا كان مجرد صديق علشان يتخطى الوحدة.
فاليري جينيث استنشقت ريحة القهوة بعمق، كأنها بتستمتع ازاي بتبوظ حاسة الشم بتاعتها.
مش كوباية قهوة دافية ونسيم لطيف أحسن تركيبة لبنت وحيدة زي فاليري؟
لحد ما الموبايل رن بهدوء، علشان الشيئ المسطح ده لسه في الشنطة اللي فاليري حطتها على السرير بالظبط.
بتنهيدة خفيفة، فاليري قامت من الكرسي اللي كانت متكوّرة عليه. وهي بتمشي نص نص بعيد عن فنجان القهوة بتاعها، الست الألمانية دي حاولت لسه ترد على المكالمة اللي جاية.
"أنا هنا، يا ماما."
صوت فاليري وصل للمكالمة بين المدن، علشان الأم اللي على الخط كانت بعيدة في هايدلبرغ.
"بتعملي إيه، يا فال؟" صوت أمها المميز اخترق ودان فاليري، بس ده ما منعهاش.
بالموبايل اللي ضاغطه على ودنها، فاليري رجعت علشان تخلص السايل الأسود اللي ما شربتهوش كله.
"لسه مخلصة الدش،" ردت فاليري بسرعة. بعد تلات ثواني، كانت رجعت تاني قاعدة متكوّرة في نفس الكرسي.
بتبص لتحت على فنجان القهوة بتاعها، كملت. "وإنتي؟ عاملة إيه، يا ماما؟"
"مش كويسة،" سلمت عليها أمها. فاليري سمعت تنهيدة مسموعة على الطرف التاني من الخط، بس هي لسه اختارت إنها ما تتكلمش عن ده. "فيرسا كلمتك؟"
لما سمعت اسم فيرسا في الهوا بطريقة ما خلت فاليري ترمش بعنيها لمدة طويلة.
كان فيه حاجات العيلة الكبيرة بتاعتها ما تعرفش عنها، حاجات فاليري بتخليها قريبة منها وما ذكرتهاش لحد. ما عدا، لواحدة من أحسن صحباتها اللي هي مين غير بيدرو فيسكونت.
كأنها سنين فاتت، بس بطريقة ما كان لسه فيه نبض في قلب فاليري في كل مرة تسمع اسم أختها في الهوا.
"لأ، لسه،" جاوبت فاليري بأمانة.
كان فيه شوية رسايل من فيرسا على موبايلها، بس فاليري ما لحقتش ترد. بعد كل ده، هما كانو مجرد أسئلة بسيطة، زي: 'أكلتي لسه؟' أو 'إيه الأخبار، يا فال؟'
"قولتيلها تكلمني؟"
"مش بالظبط،" الأم جاوبت. "طلبت منها تساعد تقنعك توافقي على الجواز المدبر مع فيسكونت. قالت إنها هتكلمك وتتكلم معاكي، بس شكله لسه مشغولة علشان غوس اشترى شقة جديدة."
لو اسم فيرسا كان سبب نبض في قلب فاليري من شوية، يبقى دلوقتي اسم تاني اللي سمعته كان لسه بيخليها تتنفس بصعوبة.
اسم الراجل، اسم فاليري كانت بتحاول تنساه.
مش علشان هو عمره ما بص عليها، بس لسبب واحد بس، فاليري لازم توقف أمل.
"أها، كده؟" لأي سبب، فاليري بجد حاولت ما تغيرش نبرة صوتها. "يبقوا بينقلو لشقة دلوقتي؟"
"حاجة زي كده،" جاوب اللي بيتكلم معاها. "إنتي عارفة إن أختك دايما كانت عايزة تعيش في دور عالي، و ده يمكن ليه غوس اختار وحدة سكنية في الدور الـ 28."
بتاخد رشفة من القهوة اللي بدأت تبرد خلاص، فاليري أملت إن السايل اللي بيمشي في زورها هيوقف في قاع قلبها.
"يمكن مشغولة،" فاليري حاولت ترد. "غير كده، ليه هتطلبي منها تقنعني، مش إجابتي دايما هتبقى هي هي؟"
لو بس فاليري تقدر تشوف، يبقى كانت لاحظت ازاي أمها بتبص لتحت بنور خافت شوية في عينيها.
"يا جماعة، يا فال." أمها فركت وشها بالراحة. "ما أعتقدش فيه مرشح كويس زي بيدرو، لو بس هتبذلي مجهود تفتحي قلبك شوية."
ده شكله اتكرر مرة ومرة، وسبب إن النبض في قلب فاليري دلوقتي يتحرك لرأسها.
"يا ماما...."
"سمعت إن بيدرو رجع هايدلبرغ،" أمها قاطعتها بسرعة. "حتى زارك في ميونخ، صح؟ ما اتقابلتوش واتكلمتوا كتير؟"
"صحيح." فاليري مسحت على صدغها. "تقابلنا، بس ده ما يغيرش حاجة عن علاقتنا، يا ماما."
"فاليري."
نبرة صوت أمها كانت بتردد، والمرة دي كسرت الحواجز اللي فاليري بنتها لنفسها.
بعد جواز فيرسا جينيث من غوس أرمور، فاليري حَلَفت مرة إنها عمرها ما هتفتح قلبها تاني. علشان طلع إن كل اللي واجهته هو وجع قلب طويل، مش قادرة تعطي صوت لحب اللي حتى ما ينفعش يتحارب علشانه.
"فكري كويس،" طلبت الست اللي في نص العمر اللي في التليفون. "مش بيدرو بيمثل كل حاجة إنتي عايزاها؟"
هو؟