الفصل الرابع - وداعا مايا - وجهة نظر مايا
أنا واقفة في غرفتي، لسه بتبص على الشنطة الصغيرة اللي جهزتها بدري، مرمية على السرير. الصراحة، شيء يقطع القلب، وأظن الراجل اللي جه عشاني حس بالشفقة عليّ.
بصراحة، معرفش إيه اللي مستنيني في قصر بلاكوود، وكان المفروض أجهز أحسن من كده، بس ده كل اللي أقدر عليه مع الوقت القصير اللي ادوهولي. مش كأني أقدر أحزم كل شيء في ساعات قليلة.
دلوقتي بعد ما بقى عندي وقت أفكر في الأمور، بفضل السواق الغامض، فتحت الأدراج بتاعتي، ورميت أي حاجة ممكن تنفع. بعدين مسكت الجاكيت المفضل عندي، وشوية جزم من الدولاب. حتى طلعت شنطتي الكبيرة عشان أتأكد إن عندي مساحة كافية لكل حاجة هضيفها لأمتعتي.
لما خلصت، شنطتي كانت هتنفجر من كتر الحاجة. أتقل بكتير مما المفروض تكون، بس مش فارق معايا. هم بيبيعوني، فالمفروض آخد الحاجات اللي بتريحني.
لسه برتب في شوية حاجات عشان أضيفها للشنطة الصغيرة، لما الباب بتاعي بيتفتح، وباتسمر في مكاني.
ده الأب، من صوت خطواته بس.
بصيت فوق كتفي، ما كنتش متوقعة إنه هنا، بس برضه، معرفش إيه اللي بتوقعه تاني. هو ما حاولش يوقف ده، وشكله فرحان إنه يتخلص مني.
وهو واقف هناك، بيبص عليّ بعينيه البني الفاتحة، بصعوبة قدرت أبص له أو أقابل نظراته. هو اللي قرر كل ده، وبيفكر إني أستاهل البيع.
'جاهزة؟ هيرجعوا في أي لحظة عشان ياخدوكي.'
'لسه بخلص بس,' قلت، وأتمنى إنه يسيبني في حالي.
'مش هتعملي حاجة في حياتك لو قاومتِ ده، يا مايا,' قال، صوته ثابت، وكأنه بيستعلي عليّ شوية.
أنا بكره ده، بس ده الأب بتاعك.
حطيت الكتاب اللي كنت ماسكاه على السرير. إيدي بترتعش شوية. 'مش محتاجة إنك تكون هنا عشان تقول لي أي حاجة. كنت تقدر توقف ده، وتختار طريق تاني عشان تدفع ديونك، بس ما عملتش. فما تقوليش إني مش هكون حاجة عشان بقاوم حاجة ما اخترتهاش.'
لما لفيت عشان أبص له تاني، فكه انشد، وعرفت إنه مش هيتراجع في اللحظة دي.
'ده لمصلحتك، يا مايا. الوقت جه إنك تتقبلي مصيرك، وإيه اللي تقدري تعمليه للعيلة دي.'
مش قادرة أصدق كلماته اللي بتطلع من بقه، ولا حقيقة إنه واقف هنا، وبيتمارض إنه بيعمل لي معروف.
'لأ، مش لمصلحة. أنت بتديني لراجل حتى ما يعرفنيش. مش فارق معاه. مش هكون غير مجرد شيء بالنسبة له. زي ما أنا مش شيء بالنسبة لك. لما أمشي، هيعمل اللي هو عايزه فيّ.'
عينيه بتغمق وهو بيبص عليّ، وصوته بينزل أكتر. 'ما فيش مكان للتمرد في العالم ده. الوقت جه إنك تتقبلي اللي عملته، وتعملي واجبك للعيلة دي.'
الكلمات بتوجع، بس ثابتة في مكاني. 'مش هكون دميتك تاني، يا أب. لا لك، ولا للعيلة، ولا لأي حد. لو فاكر إني هقعد وأكون بنت كويسة بالنسبة له، يبقى مش هينفع. هيرجعني وياخد الفلوس اللي اداها لك منك.'
بص لي شوية طويلة، وبعدين تنهد كأنّي طفلة، بتعمل نوبة غضب. 'اعملي اللي أنت عايزاه، بس عمرك ما هتهربي من قصرهم، ولا هيسيبك تروحي. دايماً هتكوني بنتي، حتى لو اخترتي تنسي ده بعد ده.'
مش فارق معايا كلامه تاني. مش بجد. سمعته كتير أوي قبل كده، وما لهوش أي وزن، زي ما كان له زمان. بس برضه، شيء في صوته النهائي بيضرب في صدري بعمق. قبضت قبضتي في جنبي، بحاول أمنع الدموع اللي رافضة تنزل.
'أنا بكرهك,' قلت، وصوتي بيرتعش بمشاعر قوية. 'ما كانش المفروض تعمل ده. أرجوك ما تخلينيش أمشي.'
الكلمات معلقة في الهوا، تقيلة وقوية. بس هو ما تفاعلش. بدلاً من ذلك، دار ظهره ليّ، كأنّ ألمي مش مهم على الإطلاق. هو خلاص بيمشي من قدامي، وأنا لسه ما مشيتش.
بالظبط لما فكرت إني أنادي له تاني، سمعت باب عربية بيتقفل بره. الصوت مفاجئ، عالي جدًا، ومفروغ منه.
جريت على شباك أوضتي، وقلبي بيدق بسرعة في صدري. وأنا ببص تحت على الممر اللي تحت، شايفه نفس العربية السودا الأنيقة اللي كانت هنا بدري، بس المرة دي، حد تاني ورا الدركسيون.
نظرتي بتضيق. الراجل اللي بيسوق مش وسيم زي التاني. ملامحه حادة، بس مش زي التاني. الراجل ده شعره بني قصير، مقصوص قريب من ودانه، وابتسامته لما بيبص هنا بتخليني أقشعر. عريضة أوي، ومرحة أوي.
نزل من العربية، عينيه بتدور حوالين المكان في الضلمة. أنا بكره الطريقة اللي بيبص بيها للمكان. كأنه بيمتلكه. بدلته مش حلوة زي الراجل التاني. شكله ثانوي.
لما الراجل بص لفوق تاني، شافني في الشباك، ولحظة، ابتسامته وسعت أكتر. اتراجعت، القرف بيغمرني، بس قبل ما أقدر أعمل أي حاجة، صرخ ناحية الشباك.
'الوقت جه.'
'الوقت جه، يا مايا,' الأب بينادي بصوت عادي بيخليني أقشعر في نفس الوقت.
مشيت تاني للسرير، مسكت الكتاب، وحطيته في الشنطة قبل ما أقفل كل شيء بالسوستة. مع كل شيء متعبأ، خرجت من أوضتي عشان أنزل تحت للدور الأرضي للباب الأمامي.
بمجرد ما وصلت لعتبة الباب، الراجل كان واقف بهدوء في المدخل، ورافع دراعيه على صدره الضخم. حسيت بغرابة، إنه مدخلش جوة، وشكله مرتبك.
تجاهلت ده، عشان ما فيش حاجة مهمة تاني.
الأب واقف قريب، بيبص لي بتعبير ما يتقريش. بيبص عليّ نظرة أخيرة، نظراته بتطول شوية زيادة. كدت أفكر إنه ندمان على الصفقة دي.
'لسه فيه وقت. تقدري تلغي كل ده,' قلت وأنا بعدي منه.
رد بابتسامة سخرية بس. 'وداعاً، يا مايا.'
بده، لف ومشى تاني ناحية المطبخ، وسابني واقفة عند الباب مع الراجل الغريب.
ما فيش أي حاجة فاضلة ليّ، غير الرحلة اللي قدامي.
'يلا، يا مايا. المدير مستنيكي,' قال وهو بيمسك شنطتي.
ما قلتش أي كلمة وهو بيوصلني للعربية.