الفصل الخامس - واقعي الجديد - وجهة نظر مايا
ما بياخدش مننا غير دقايق معدودة عشان نجهز العربية وندخل جواها. ببص ورايا على البيت، وأنا عارفة إني بسيب حياتي كلها ورايا، وبحاول ما أعيطش.
السواق ما بيقوليش كلام كتير طول الطريق لعزبة السيد بلاكوود.
بحلول الوقت اللي بتوقف فيه العربية قدام المكان المهيب اللي بيبان كأنه حارس سري في الظلام، بكون خايفة موت. البوابات بتفتح بسلاسة غريبة، ومش بقدر ما أحسش بإحساس بالتشاؤم وإحنا داخلين.
العزبة اللي حوالينا متظبطة بشكل مثالي، على الأقل من اللي شايفاه، وكل حاجة في مكانها، والحدائق متقصصة بعناية. على الأقل في الظلام.
كل ده بيصرخ بالسيطرة، زي الراجل اللي بيمتلك المكان ودلوقتي بيمتلكني أنا كمان.
ببلع ريقي بصعوبة، وأنا بحارب القلق اللي بيزحف على عمودي الفقري وإحنا بنوقف قدام الفيلا. العربية بتقف، والراجل اللي فضل ساكت طول الوقت ده بينزل وبيجي عشان يفتح لي الباب.
بخرج من العربية وبكاد أقع على الأرض بسبب ركبي الضعيفة. بيروح ورا العربية من غير ما يساعدني وبيبدأ ينزل شنطي من ورا.
الأبواب الأمامية للفيلا الفسيحة بتفتح كأنها بترحب بيا في بطن الوحش.
بقوم وبأخد شنطتي عشان أطلع على السلالم الحجرية.
جوا الفيلا، الهوا بارد وريحته خفيفة من خشب الأرز وحاجة تانية.
ممكن جلد. جزمي الرياضية بتعمل صوت خفيف على أرضية الرخام وأنا بمشي في الممر شوية.
الراجل اللي وصلني هنا بيدخل وبيلاقيني مبهورة. بيشير بإيد واحدة وأنا بمشي وراه لمجموعة من الأبواب المزدوجة في نهاية الممر.
بعدين بيبطئ وبيفتح واحدة منهم شوية، وبيشير لي عشان أدخل.
بدخل جوا، وقلبي بيدق جامد في وداني. الأوضة إضاءتها خافتة مع شوية أجهزة على الحيطة. فيه اتنين مكتبة كبيرة ورا مكتب من خشب الكرز. كل حاجة لونها غامق.
وأنا على وشك إني أقول حاجة، راجل بيدخل الأوضة من باب على الشمال. حضوره آسر على طول، حتى إن تحركاته هادية.
لما بيلف عشان يواجهني، قلبي بيكاد يتوقف في صدري. هو نفس الراجل اللي جه قبل كده، اللي عينيه صفرا حادة والابتسامة الساخرة العفوية. لسه لابس البدلة من شوية وعينيه بتدرسني بحدة بتحسسني كإني حشرة تحت عدسة مكبرة.
بيديني نظرة طويلة من فوق لتحت، نظرته باردة وبتقيم، كأنه بيوزن حاجة – حاجة مش عايزة أكون جزء منها.
قبل ما أقدر أقول أي حاجة، العقدة اللي في صدري بتتشد، والدموع اللي حبستها فجأة بتنزل. مش قادرة أحبسها أكتر. العصبية والقلق كتير عليا.
مش قادرة أتنفس ولا قادرة أفكر. بحس إني مكشوفة تمامًا، كأني في حلم ومش عارفة أصحى منه.
وأنا بلف عشان أواجه الناحية التانية منه، مش قادرة أوقف الأنين الل طلع. مشاعري خام زي عقدة مشوهة من الخوف والإحباط واليأس.
'إذن، أنت هو داميان بلاكوود، أفترض كده؟' بسأل، وصوتي بيتكسر وأيدي بترتعش على جنبي.
ببطء، بأجبر نفسي إني أبص عليه تاني، وأنا بأمل إن بطريقة ما رؤية وشه هتخلي كل ده يبان مش حقيقي.
عينيه بتلين لحظة، بس بتختفي قبل ما أقدر أستوعبها بجد. بيديني إيماءة جافة واحدة، ونظراته عمرها ما بتسيبني. ما فيهاش أي دفء، وبالتأكيد مفيش إحساس بالراحة. بس حسابات باردة وصعبة.
ببدأ أرتعش أكتر، وده الوقت اللي داميان بيبدو إنه بياخد باله من الهلع اللي مسيطر عليا. لأول مرة من لما دخلت، تعبير وشه بيتغير. مش بسبب الشفقة، بس حاجة قريبة منها.
أقرب لحاجة صعبة وبعيدة.
بيدير وشه عني وبيرجع للباب اللي دخل منه. 'هاتوها'، بيأمر ببرود.
بتجمد، ومش فاهمة بالكامل هو يقصد إيه في الأول. بس الباب اللي ورايا بيفتح، وشخصية صغيرة بتدخل. هي امرأة عجوز، قصيرة، وبتبدو في السبعينات، بالرغم إني مش متأكدة قوي.
'مايا'، بيقول داميان تاني وهو بيقف عند الباب. 'محتاجة تهدي. ده مش هيفيدك ولا هيفيد أي حد حواليكي'.
المرأة العجوز بتعبر الأوضة بسرعة، وبتقف جنبي، وبتاخد إيدي في إيديها.
'كله تمام، يا حبيبتي'، بتقول بصوت ناعم ومطمئن. 'تعالي معايا'.
صوتها عكس برود أمر داميان، وبلاقي نفسي ببلع ريقي وأنا بحاول أبعد عن كل حاجة، حتى وأنا بحاول أبعد عن كل حاجة. بس هي مصممة، لمستها دافية وثابتة، و للحظة، بحس بأقل قدر من الراحة وسط الفوضى.
بهز راسي، وأنا مرهقة أكتر من إني أحارب تاني وباسمحلها إنها توجهني برفق بعيد عن الأوضة.
وبعيد عن نظرات داميان القاسية.
وهي بتشدني في الممر، صوت كعب جزمها الناعم على الأرضيات المصقولة هو الصوت الوحيد اللي بيكسر الصمت. بتاخد واحدة من مقابض شنطتي من غير تردد وأنا ماسكة في شنطتي.
'مش لازم تعملي كده'، بقول، وأنا قلقانة إن الشنطة هتكون تقيلة عليها، خصوصًا بالنظر لسنها.
بتضحك بس، صوتها دافئ بس بيحمل شوية مرح. 'ده ولا حاجة، يا عزيزتي. خفيف زي الريشة'.
بلاقي إن ده غريب إنها بتفكر إنها خفيفة كده، بالنظر لكمية الحاجات اللي حطيتها فيها، بس ما بقولش حاجة. بتدحرجها بسهولة، وخطواتها ثابتة ومؤكدة، كأنها ولا مشكلة خالص.
أو وزنها مفيش.
بالرغم من الوزن، تحركاتها رشيقة، وطاقتها قوية بشكل مدهش. بتحسسني كأنها مش ضعيفة زي ما بتبان وبلاقي نفسي بأراقبها، وبحاول أفهم كل حاجة.
بتبص عليا ورا، وتعبيرها هادي. 'متخافيش، يا طفلة. هنخليكي تستقري كويس وبعدين تقدري ترتاحي'.
بهز راسي، ولسه مش متأكدة إيه اللي أقوله. وجودها راحة بطريقتها الهادية، بس مش بتمحي القلق اللي بيلف في معدتي. الفيلا الواسعة حوالينا بتحسسني إنها أكتر إرهاقًا دلوقتي بعد ما عرفت إيه جواها، ومع كل خطوة باخدها، حقيقة موقفي بتغرق أكتر.
أنا بجد محبوسة هنا، وأنا متأكدة إني عمري ما ههرب منها كمان.