الفصل 1
"كيسي!"
سمعت النبرة المستعجلة في صوته وهو يصرخ، وحسيت يد بتهز ركبتي بحركة محمومة. قعدت بسرعة، وغصبت نظري اللي مشوش يركز على اللي حواليا. لما عرفت إيه هم الزوج من الأضواء المبهرة، ربطت حزام الأمان على طول، وكورت جسمي وحاولت أحمي راسي بأني أحط دراعاتي قدامها. حسيت بثقل نزل عليا وأنا بغمض عيني، والشيء اللي عرفته بعد كده إني كنت في وش الجاذبية مباشرة.
صحيت وقلبي بيدق جامد ضد قفصي الصدري، ونفسي كان سطحي. طبقة رقيقة من العرق غطت جبهتي و ظهري وأنا بحاول بأقصى ما عندي إني أهدى. ماتاخرتش لما حسيت نفسي بيرجع للنفس المنتظم الشهيق والزفير، بس كنت عارفة إني مش هقدر أنام تاني. لفيت حوالين منضدة السرير عشان أدور على موبايلي، ولما مسكته أخيرا، الضوء القاسي من الشاشة خلاني أغَمض، وبالكاد قدرت أشوف الوقت قبل ما عينيا تدمع من الوخز الحاد من التحديق في الشاشة. بصيت بسرعة على الوقت، بس عشان اكتشف إني لسه عندي ساعتين قبل المدرسة.
فكيت نفسي من الملايات، ونزلت رجلي على جنب السرير بسرعة، رجلي نزلت على سطح الأرض البارد الصلب. مشيت المسافة الصغيرة للباب، ولفيت مقبض الباب قبل ما أسحبه برفق، وأنا بتجعد من صوت صرير المفصلات الصدئة. طلعت من أوضتي وقفلت الباب بهدوء ورايا. على طول مشيت ناحية السلم اللي كان موجود في نهاية الممر.
نزلت السلم بهدوء. الصوت الوحيد اللي اتسمع كان صرير السلالم وهي بتشيل وزني، واتخضيت لما السلمة الأخيرة اللي نزلت عليها عملت أكبر صوت فيهم كلهم. مش هيبقى عندي أي تفسير لسبب تجولي في البيت. لو أبويا وأمي مسكوني، ما أعتقدش إنهم هيقدروا يتقبلوا إني أصحيهم في أول النهار بدري الصبح. دُست في خطواتي بعناية، ورحت للمطبخ، وخدت مشروب عشان أروي عطشي.
بعد ما رويت حلقي الناشف، غطيت المسافة الصغيرة بين الموزع والحوض، وثنيت جسمي بعد ما فتحت الحنفية، وبراقب المية وهي بتدفق، وكفيت إيديا تحتها عشان أمسك شوية مية، ورشيت حفنة على وشي عشان أحاول أمحي كل آثار الحلم.
قفلت الحنفية، ومسكت في حواف الحوض، وببص على المية اللي بتلف في قاعدة الحوض قبل ما تنزل في البلاعة وتختفي. عدى سنتين طويلين وصعبين، ولسه عندي أحلام عن الليلة دي. طلعت السلم تاني ودخلت أوضتي، وشغلت نور الليل.
النور الخافت نور السريرين في الأوضة. طلبت إن السرير، على بعد خطوات مني، ميتشالش من الأوضة. واحد كان مرتب والتاني كان بتاعي، واضح إنه مبهدل والمفرش في كل مكان.
مشيت في طريقي ناحية منضدة السرير بتاعت السرير المرتب، مكان ما فيه صور في براويز. إيدي رفرفت فوق إطار صورة واحدة وأنا بتنفس تنهيدة، وبإرخاء عضلاتي المتوترة، وبفرك صوابعي قبل ما أمسك الذكرى المبروزة في إيدي برفق. مسكتها كأنها قطعة غالية من مجموعة بورسلين صيني. بس الذكرى دي تستاهل أكتر بكتير من البورسلين القديم ده، مهما كانت قيمة المجموعات.
بصيت لتحت بعد زفير قوي من الهوا في محاولة لإعداد نفسي على سيل الذكريات، وبصيت على قطعة الورق اللي بتبين طفلة صغيرة محتضنة من ولد أكبر. الاتنين كانوا ممتلئين ومدورين، بس كان عندهم ابتسامات كبيرة على وشوشهم.
صورة تانية بتبين الولدين قاعدين على رجلين أبويهم جنب كعكة عيد ميلاد فيها شمعة على شكل '3' وعليها كتابة 'كاساندرا Rylie Johnson' بخط متصل. أبويهم كانوا بيحاولوا يوجهوا انتباههم للكاميرا، بس الولدين رفضوا يتحركوا. كأنهم عندهم مزحة داخلية من خلال التخاطر الأخوي. كانوا الاتنين بيبتسموا ببراءة وهم بيبصوا لبعض، وبالمقارنة بالصورة اللي قبل كده، تعابير وش الولد لانت بوضوح لما ركز نظراته على البنت.
صورة تانية اللي ممكن تسميها جلسة تصوير. البنت شكلها أكبر شوية دلوقتي، بس ما فقدتش الابتسامة. كانت لابسة فلانيل وردي صغير ومنفوش، وقاعدة على كرسي بحمالات بيضاء بتمسك في فخادها وهي بتحتضن دمية دب بيج. في الوقت نفسه، الولد كان واقف، مستقيم وطويل فوق البنت. بالرغم إنه كان طفل، مافشلش إنه يظهر إنه بيحمي البنت الصغيرة. ماظهرش ابتسامة في دي، تعابير وشه كانت صعبة، بس ماكنتش هتقدر تفوت اللمعة الخفيفة في عينيه.
الصورة الأخيرة بتبين بنت وولد. الاتنين شكلهم أكبر بسنين من الأطفال في الصور التانية، يمكن 16 و 18. البنت كانت بتبتسم ودي كانت نفس الابتسامة اللي كانت عند البنت في الصور التانية، وكأنها ماكبرتش ولا شوية، لسه حلوة وبريئة وساذجة، محمية تماما من القسوة اللي متخزنة في أعماق العالم. الولد ماابتسمش، بس هو ابتسم. واحدة من دراعاته كانت على كتف البنت، بيحضنها من ورا، وحاني جسمه عشان يقدر يستريح بذقنه على راس البنت.
المنظر اللي وراهم كان جبل متغطي بالثلج، وكأنه بيلمس السما الصافية الزرقا. تحت الجبال كان فيه بحيرة بلون أزرق جميل ومدهش، لدرجة إنها تسمح لأشعة الشمس تصيب سطحها، وبترتد على طول، وبتعمل نجوم بتظهر على سطح المية. الاتنين غمضوا عينيهم في ضوء الشمس، بس السعادة اللي واضحة على وشوشهم كانت حقيقية بلا شك.
تنهدت، وربت على الإطار الخشبي. ياااه، أد إيه واحشني يا أخي. دمعة وحيدة هربت من عينيا المبلولة لما أخيرا حطيت الصورة المبروزة بهدوء على منضدة السرير بهدوء، وابتلعتني الحزن مرة تانية مع تذكر الخسارة اللي مريت بيها من وقت قريب.
زحفت على السرير، وحضنت قطعة قماش رمادية مخططة وبالية، اللي فقدت لونها وفيها خرام صغيرة، مهترئة وممزقة، بس مسكتها قريبة مني، وبكيت عليها، حزينة على الأخ اللي فقدته في الليلة دي زي ما كنت بعمل على مدار الـ 24 شهر اللي فاتوا. تمسكت بالقماش المهترئ كأن حياتي بتعتمد عليه، وبحفرت ضوافري فيه في الوقت اللي بيخفي شهقاتي المكتومة وأنا بفكر في صرختي في الليلة دي، واستنشقت ببطء بس عشان أحس بالأسى من حقيقة إن ريحة البرفان المميزة بتاعته كانت اتغسلت مع الوقت وماعدتش موجودة.
أصابعي بتلعب بخيوط قطعة القماش السائبة، أخر شيء تركه الولد الصغير وراه.