الفصل 189
رِجْليّ حَسّيْتْ كأنَّها جِيلِي، وأنا ماشي مُتْرَنِّح، أحاول أتحرَّكْ ناحية الأمّهات اللي كانوا بيحاولوا بِيَأسْ يحموا عيالهم من الخطر اللي حواليهم. صوت الصرير العالي من مفصلات باب الخروج في حالة الطوارئ صدى في الأزقَّة لما نساء وعيال أكتر طلعوا برة في الأزقَّة من الباب ده. كلهم كانوا لابسين نفس النظرات اللي بتدلّ على الرعب على وشوشهم. الأمَّهات كانوا بيجروا زي الفراخ اللي مقطوعة راسها، عيالهم في إيدهم، غالبًا بيبصُّوا ورا كتافهم عشان يشوفوا إذا كان في حد بيجري وراهم.
حالتهم اللي فيها رعب ما سَمَحِتش ليهم إنهم يفكروا صح ولا بوضوح. كل اللي كانوا بيحاولوا يعملوه هو إنهم يروحوا أبعد مسافة ممكنة عن باب الخروج في حالة الطوارئ.
كان أزقَّة ضلمة، النور الوحيد اللي كان بيضوي الممرّ الصغير هو نور كشاف أصفر خافت على بُعْد كام قدم من فم الأزقَّة. أعتقد إن أكترهم ما دخلوش من الباب ده قبل كده. أكتر الأمَّهات بصُّوا يمين وشمال، مش متعودين على المخارج، وبيفكروا في يّ اتجاه يروحوا فيه في اللحظة دي. كام واحدة منهم جَرَتْ في الاتجاه المعاكس للّي كنت واقف فيه عند مدخل الأزقَّة، مش شايفين الحيطة اللي مستنياهم في آخر الأزقَّة. كان طريق مسدود.
بمجرَّد ما عرفوا ده، كان فات الأوان. الباب اتفتح تاني عشان يورّي لـ لاري وهو بيقع على الأرض. بدأ يزحّ لورا، عينيه مركزة على المسدّس اللي بيشاور على راسه.
كل الأمَّهات اللي كانوا بيتفرجوا قلبوا على طول وستروا عيالهم من المسدّس بأجسادهم.
شفايف كوينتن كانت بتتحرَّك بس ما كنتش سامع بيقول إيه. نظري بدأ يغبّش، وده منعني من إني أقرأ شفايفه عشان أفهم هو بيقول إيه.
لاري وقف في النهاية يزحّ لورا، ضهره محشور في الحيطة. غيَّر استراتيجيته بسرعة وكان على رُكَبُه على طول، إيديه متشابكة مع بعض وهو بدأ يتوسَّل عشان ينجو بحياته.
مرة تانية، ما طلعش أي صوت من بقه رغم إنه كان بيتحرَّكْ بجنون. بس أنا قدرت أشوف اليأس في عينيه الحمرا. كان خايف، مرعوب، من المسدّس اللي متوَّجه على راسه. بالأكثر من منظر ابنه الصغير اللي بيتفرج عليهم من مسافة قريبة أوي.
الراجلين بدلوا كام كلمة زيادة. أنا كنت عارف إيه اللي هيحصل بس بغض النظر عن إني كنت بتمنَّى إن أطرافي تتحرَّك وأمنع المشهد ده إنه يحصل، أنا فضلت واقف مكاني، متجمِّد زي أي واحد بيتفرج وما يقدرش يعمل حاجة غير إنه يتفرَّج على الحادثة وهي بتحصل.
دوي صوت المسدّس المزعج في الليل صحَّاني من الكابوس. منظر الجثة اللي من غير روح وهي بتقع على جنب، وبُركَة الدم اللي عمالة تكبر لما المادة دي كانت بتصبّ على طول من الفتحة اللي في راس الراجل، اتحفرت جوة جفون عينيّ. الصورة كانت بتيجي قدامي في كل مرة كنت بأغمض فيها عينيّ. كان واضح أوي لدرجة إني كنت حرفيًا قادر أذوق ريحة المعدن اللي كانت بتغطيّه وهو ممدد على الأرض الباردة. الطنين اللي في ودني بدأ يشبه الصراخ المفجوع بتاع ست وولد صغير.
بمجرد ما فتحت عينيّ، أول حاجة لاحظتها هو قلبي اللي كان بيدقّ بسرعة أوي واللي كان بيخبط في قفصي الصدري. صوت الدم اللي كان بيجري في ودني هو الحاجة الوحيدة اللي كنت سامعها. الستاير كانت مقفولة، بتغطّي المنظر برة الشباك. أخدت وقت لغاية ما استوعبت إن إيديّ كانت قابضة على غطا السرير. فكّيت قبضة إيديّ، وسبت الملايات. السما كانت بتتحوَّل تدريجيًا للون أزرق فاتح وأنا ممدد على السرير من غير حركة، وده كان بيخلّي النور يدخل الأوضة الضلمة من الفراغات اللي بين الستاير.
لما قرَّرت أخيرًا إني أقوم من السرير، الهوا البارد في الأوضة خلَّاني واعي بالعرق اللي مغطّي ضهري. قشعريرة مشيت في ضهري وأنا بطبّط على القميص المبلول اللي كان لازق في ضهري زي جلد تاني.
أطرافي كانت تقيلة زي راسي وأنا بسحب رجليّ ناحية الحمام عشان آخد دش. ما كنتش أعرف الساعة كام بس ما كنتش أعتقد إني هقدر أفضّل عاقل لو فضلت في السرير أكتر. كنت على طول بتجيلي رغبة إني أغمّض عينيّ بس بمجرَّد ما كنت بعمل كده، المنظر اللي بيظهر ورا جفوني المقفولة كان بيخلّيني أفتحهم تاني على طول.
خلعت قميصي ورميته في السلّة. وقفت قدَّام الحوض وبصّيت في المراية على انعكاسي. شعري كان منكوش، خصل منه واقفة في ضهر رأسي، بس أكتر حاجة كانت واضحة هي الهالات السودا تحت عينيّ اللي كانت بتدلّ على ليالي الأرق اللي عشتها مؤخَّرًا. ممكن يكون ده بسبب نور الحمام بس بشرتي كانت شاحبة أكتر من المعتاد، كأني مريض.
فتحت الحنفية وبدأت أغسل سناني قبل ما أقلع هدومي وأقفز في الدش. لفيت البكرة عشان أنزّل شوية مية سخنة عليا وأبخِّر الحمام، وده عليّ درجة الحرارة المنخفضة في الحيز الصغير. المراية والأزاز بتاع الدش بدأوا يتبخَّروا وأنا بغسل نفسي. الدش ساعد إني أصحصح شوية، بس مش كتير.
خرجت من الدش بالظبط لما إنذار كيسي رنّ.
قفلت المنبه وقعدت على سريرها، وهي بتتثاوب وبتفرك النوم من عينيها وهي بتبصّ عليا بمكر.
عيونها تبعتني وأنا طالع من الحمام.
"أنت صاحي؟" سألت وهي بتتثاوب.
همهمت في ردّي، وأنا بلبس كاب سويتشيرت على قميصي.
"هأعمل فطار." قلت لها، وخرجت من الأوضة ونزلت السلالم عشان أوصل للمطبخ.
ما اعرفش عدَّى وقت قد إيه بعد ما نزلت للمطبخ، بس لما كيسي طلعت تجري على السلالم، سمعتها بتصرخ قبل ما أشوفها.
"بيتحرق!" صرخت في رعب وهي بتيجي ناحيتي بسرعة وبتلف البكرة عشان تقفل البوتاجاز.
بصّيت على البيضة اللي بتتحرق في الطاسة اللي كنت ماسكها، وأخيرًا استوعبت الفطار اللي قدرت أدمرّه.
انتهي بينا الأمر إننا فتحنا علبة السيريال وزجاجة اللبن بدلًا من كده.
"في إيه يا عم؟ أول مرة أشوفك برة نفسك كده." سألت كيسي وهي بتشفط اللبن بتاعها وهي بتبصّ عليا.
رفعت عينيا عشان أقابل عيونها، حواجبي طلعت لفوق على خط الشعر بتاعها لما سألت سؤالها. "هاه؟ أوه." هزيت كتفيّ، وبحاول أتجاهل الموضوع.
ما كنتش أعرف أقول لها إيه. إن عندي كوابيس عشان أنا شفتي جريمة قتل؟
مكنتش أعرف منين أبدأ الحكاية دي.
كيسي بصّتلي وهي مستنَّة رغم محاولاتي إني أتجاهل أسئلتها.
"أنت تقريبًا عمرك ما بتصحى قبل ما أصحى، على طول بتاخد وقتك عشان تخرج من السرير وبتخلّينا نتأخَّر تقريبًا كل يوم، ورغم كده أنت خلصت الدش لما صحيت الصبح ده." أشارت كيسي.
حطيت مغرفة سيريال في بوقي رغم إني ما كنتش حاسس إني جعان عشان أتجنَّب أرد على استنتاجاتها.
شُفت الساعة في موبايلي وعملت منظر مستغرب. "أوه، طب شوف كده. وبمناسبة التأخير، إحنا متأخَّرين."
قمت من الترابيزة وكبيت بقايا فطاري اللي ما اتأكلش في الحوض وشطفت البولة بتاعتي قبل ما أحطها في غسالة الأطباق.
جريت برة البيت من غير ما أستنى أختي المحققة، وبجري ناحية العربية بسرعة عشان أتجنَّب أي تحقيق تاني منها.
لما ركبت العربية، ومش من غير ما رمت لي نظرة بتقول إنها شاكَّة فيَّ، شغلت الراديو بسرعة عشان أغرق أي أسئلة ممكن تكون بتفكَّر تسألها لي أثناء المشوار بتاعنا للمدرسة.
لما الموسيقى ملأت العربية، كيسي بدت إنها بتسيبني براحة من غير ما تقول أي حاجة بعد ما شافِت محاولاتي البائسة في إني أتجنَّب أسئلتها المتطفّلة وهي بتدخل في صمت.
ما سمعتش بالظبط إيه اللي كان بيشتغل في الراديو. تشغيله كان أكتر من مجرد طلب غير مباشر طلبتُه من كيسي عشان تسيب الموضوع اللي هي يائسة تعرفه أكتر من أي حاجة تانية. بس أكتر من كده، كنت بتمنَّى إن الصوت يغرق أفكاري ويشتتني من الصور اللي كانت بتلاحق لياليّ لفترة.
ده ثبت إنه ما لوش فايدة لما كيسي صرخت اسمي بصوت عالي، وخلَّاني أدوس على دواسة الفرامل بقوة. إيدي طلعت على جنب عشان أمنع كيسي إنها تندفع من مكانها وتخبط في التابلوه.
لحسن الحظ، حِزام الأمان مسكها قبل ما تتأذَّى. أبواق العربيات الغاضبة كانت بتدوي من العربيات اللي ورانا بسبب الطريقة المفاجئة اللي العربية وقفت بيها. عدّاد العد التنازلي بتاع الإشارة الحمرا بدأ والمشاة عدُّوا الشارع وأنا طلعت نفس ارتياح.
كيسي بصَّتلي وهي فاتحة عينها على الآخر. "Bry!"
رفعت إيدي، وأنا مخلي راسي لازق في الدركسيون وأنا بخلّي ضربات قلبي تبطّئ لوتيرتها الطبيعية. الخضة الصغيرة اللي أخدتها كانت صحَّت العضو ده وخليته يحسّ كأنه اتحدف في زوري.
"آسف" قدرت أقول بصعوبة وأنا ببلع بريقي اللي ناشف.
"أنت كويس؟" سألت، وإيديها على كتفي.
هزيت راسي على الدركسيون، ولسة مخلي راسي لتحت شوية كمان.
لما رفعت راسي أخيرًا، النور اتحوَّل لأخضر. رفعت رجلي من على دواسة الفرامل والعربية اتحرَّكت مرة تانية.
مسكت في الدركسيون وخلّيت مسار أفكاري تحت السيطرة المرة دي عشان أتأكد إنها ما بتمشيش تاني وأنا سايق.
كيسي ما قالتش أي حاجة لباقي الطريق وأنا كنت شاكر. حسيت بالذنب بما فيه الكفاية عشان حطيتها في خطر، ما كنتش حاسس إني عايز أرد على أسئلتها أكتر.
"متأكَّد إنك كويس؟" كيسي اتأكَّدت مرة أخيرة قبل ما تخرج من العربية.
"أه، أنا بس تعبان. ما عرفتش أنام كويس الفترة الأخيرة." ما كنتش بكدب.
كيسي هزت راسها. أنا كنت عارف إنها عايزة تعرف أكتر بس أعتقد إنها قرَّرت إنها تتحكَّم في نفسها.
"هأشوفك بعد المدرسة إذن."
هزيت راسي، وبتبسَّملها شوية وهي بتخرج من العربية وبتعمل الباب، وبتمشي ناحية مبنى المدرسة. بصَّت ورا تاني وادتني ابتسامة صغيرة وتحيَّة رجَّعتها.
فضلت في العربية لحظة كمان، بحاول أتمالك نفسي قبل ما أبدأ اليوم.
ماديسون والأولاد كانوا مستنيين بالفعل جنب السلالم اللي بتؤدّي للمبنى زي أي يوم تاني.
لما شافوني، حيَّوني بإيدهم. ماديسون حيَّتني بابتسامة وحضن جانبي.
ممكن يكون ده تأثير إني في حالة حب، بس رؤيتها خلَّتني أحسّ إني أحسن شوية. إني أكون لازق جنبها، وإيدينا ملفوفة حوالين بعض، ده خلَّاني أحسّ كأني جوة فقَّاعة مضادة للصوت مستحيلة الاختراق.
Maddy مايلت راسها عشان تبصّ عليا وأنا ملفوف إيديّ حوالين وسطي.
عيني فضلت على Maddy طوال الوقت بس كنت **أحسّ** إن الأولاد بيكمّشوا وشوشهم في حالة الحب بتاعتنا بس محدش حتى حاول يعترض تاني. كلهم كانوا عارفين إن ده ما لوش فايدة؛ لا – كانوا عارفين إنهم عملوا حاجات أسوأ من حالة الحب اللي بيني وبين Maddy واللي لازم نتحمَّلها.
مقارنة بالـ Man-whores دول، حالة الحب بتاعتنا تعتبر PG-13. على الأقل ما كناش بنتباس في الممرات والجمهور بيصفر ويهلل لنا.
حواجب Maddy اتكمّشت على بعض كل ما طوَّلت وهي بتراقب ملامحي. "أنت مش باين إنك كويس يا Bry."
دي كانت إشارتي عشان أوقف النظر. ضحكت على التعليق، وأنا بلف راسي عشان أبصّ في حتة تانية. "شكرًا يا حبيبتي. محدش يقدر يكون مثالي كل يوم عارفة، إلا إذا كان ربّنا أو حاجة." مزحت ببرود.
وريتها ابتسامة بتمنى إنها تكون جذابة بما فيه الكفاية عشان تتجاهلني وتضحك مع هزارتي.
Maddy ادتني ابتسامة صغيرة، "أنت عارف إن ده مش اللي قصدته." بالرغم من الابتسامة، أنا كنت عارف إن Maddy مش هاتسيبني في حالي. عينيها فضلت مركزة على وشي، بتدقِّق في كل تفصيلة.
"يا جدعان، يا حبي، هاتنشف وشي لو فضلت بتبصّ عليه أوي كده." رميت هزارة تانية وأنا بقابل عينيها تاني عشان ألطِّف الجو شوية.
عيون Maddy مسكت عيوني واديتها ابتسامة عشان أورّيها إني كويس.
كانت زي كلب الـ K9 لما يخصّ سلامتي. ما كانش فيه أي وقت ما حستش فيه لما كنت محتاج شوية تعزية.
إيدين Maddy اللي كانوا بالفعل ملفوفين حوالين وسطي زحفوا على ضهري وطبّطوا عليه.
الحاجة اللي بحبها أكتر في Maddy هي إنها عمرها ما سألتني أي أسئلة. هي بس بتعرض عليّ كتف عشان أبكي عليه، وبتعزّيني، وبتستنى إني أفتح لوحدي.
حضنتها كويس وركنت دقني على راسها وهي بتكبسها على صدري. غمَّضت عيني عشان أخفي الدموع اللي كانت بتيجي من غير أي إنذار.
خدت نفس وطلَّعت نفس كذا مرة قبل ما أقدر أخيرًا أخلّي مشاعري تحت السيطرة.
لما حسيت إني كويس تاني، سحبت نفسي بالراحة من Maddy وأديت قمة راسها قبلة صغيرة شكرًا.
عرضت لي ابتسامة. عيونها كانت لسة غرقانة في قلقها عليا بس كنت عارف إنها مش هاتطلَّع أي حاجة منِّي. على الأقل مش في أي وقت قريب.
الچرس رن، وبيعلَّم على بداية الفترة الأولى. الموجة الأخيرة من الطلبة اللي داخلين المبنى ساقونا عشان نمشي ورا الجمع ونروح لفصولنا.
أديت ابتسامة أخيرة ناحية Maddy قبل ما نتفصل في بحر الطلبة.