الفصل 92
بعد ساعة، خلصت من ترتيب أغراضي في زاوية من الكوخ. ما كانش فيه غبار، ودي حاجة كويسة. أعطاني السيد هوانغ مخدة رقيقة كسرير مؤقت، ووسادة وبطانية عشان أنام عليها. يمكن ما يبانش كتير، بس كان سرير مريح.
بعد ما خلصت من الاستقرار، طلعت من الكوخ عشان أقابل السيد هوانغ في نص الأرض الفاضية. الأشجار كانت محيطة بالمكان، وما فيش أثر للحضارة في الجوار؛ مثالي لتدريب مكثف لمدة أسبوعين. الشمس كانت بتشرق علينا بقوة لأن الساعة لسه 9:00 صباحًا.
ربطت شعري، وغيرت لبسي لبنطلون ضيق أسود وقميص بدون أكمام كبير شوية علي، وربطته فوق حزام البنطلون الضيق بتاعي مباشرة. كنت حافية القدمين وكنت بدعي ربنا ما يكونش فيه عصيان حادة أو أشواك هتدخل رجلي.
"فيه 6 حاجات لازم تتقنيهم. أول حاجة هي الإيمان اللي لازم تحتفظي بيه جواكي. آمني بنفسك لأنك الوحيدة اللي تقدري تغيري مصيرك. لازم تبقي عايزة ده أكتر من أي حاجة تانية. تاني حاجة هي التركيز. خلينا نبدأ." أخرج السيد هوانغ ورقة فلوس أجنبية من جيبه.
"هتسقطي الفلوس دي وأنا هأمسكها بإيدي بس، السبابة والإبهام، في الجو." اداني الإشارة، وعملت زي ما طلب. ثانيتين بعد ما الفلوس سابت إيدي، صوابع السيد هوانغ مسكتها في الجو.
ده كان سهل أوي.
"دلوقتي، دورك." هزيت كتفي وجهزت صوابعي، بحركهم زي مخالب السلطعون. ثانيتين بعد ما سابت إيد السيد هوانغ، قفلت صوابعي. ابتسمت بانتصار قبل ما يدق لسانه ويشاور على الأرض. ابتسامتي اختفت، وحسيت إن التجهم بيظهر على وشي.
كنت حلفت إني مسكت ورقة الزفت دي.
"مرة تانية," أعلن السيد هوانغ، والمرة دي أخدت الموضوع بجدية أكتر من المرة الأولى. وبرضه، فاتني مسكها بملي متر في كل مرة.
"ركزي يا شياو فو!" تنهدت. خلاه يبان سهل أوي. ده مش عدل أبداً.
"أنت بس محتاجة تتمرني. دلوقتي، خدي نفس عميق وحطي عينيكي على الورقة." اتبعت إرشاداته وعملت زي ما طلب. لما الورقة ما لمستش صوابعه تاني، قفلت صوابعي. حسيت إنها لمست إيدي، وكدت أصيح من الحماس قبل ما تنزلق من الفتحة الصغيرة بين صوابعي وتروح للأرض.
السيد هوانغ كان عنده ابتسامة صغيرة على وشه، وكأنه مستمتع باللي بيحصل قدامه. كدت أطلع لساني، بس عضيت عليه بداله. "مرة تانية," أعلن بصرامة.
بعد ساعات من تكرار نفس الحاجة مرارًا وتكرارًا، قدرت أخيرًا أمسك الورقة قبل ما تلمس الأرض. ما فيش كلام يوصف الفرح، وإزاي كان مرضي إني أحس بالورقة بتتمزق بين صوابعي.
أخدنا استراحة صغيرة، وشربنا رشفات صغيرة من الميه قبل ما نرجع تاني. بعدين، أخرج السيد هوانغ شمعة وعلبة كبريت. وأنا متجهمة، تخيلت نفسي وأنا بنفخ في الشمعة. بس بعد الساعات دي وأنا بس بحاول أمسك ورقة الفلوس قبل ما تقع على الأرض، كنت مصدومة شوية، وعرفت إني لازم ما أتوقعش أي حاجة سهلة.
المرة دي، أخدني للكوخ وحط الشمعة فوق طبق صغير على ترابيزة طولها زي بطني. قفل كل الشبابيك وولع الشمعة. 'تمام، دلوقتي هنعمل استدعاء روحي. يا سلام,' علق ضميري في صمت.
دورت عينيا لجوه على الصوت اللي في دماغي، زي عادته، وقح.
مشى السيد هوانغ 5 مترات بعيد عن الترابيزة، ودار عشان يواجهها. عينيه كانت ضيقة شوية، وقبل ما أعرف إيه اللي بيحصل، فتح رجليه بعرض كتفه، وشكل إيديه على شكل "هاي فايف" بإبهامه لجوه. ضهره كان مستقيم، وإيديه كانت محطوطة على جانبي وسطه. مع نفس عميق، رمى إيده لقدام، صوابعه بتشاور على الشمعة، وفجأة، الضوء الخافت اللي جاي من الشمعة المنورة انطفأ.
بصيت على المشهد قدامي بذهول. هو بس طفى النار الصغيرة من مسافة 5 مترات تقريباً بعيد عن الشمعة نفسها. حتى ما نفخش فيها، ضرب الهواء في اتجاه النار.
'هو ساحر. ما فيش تفسير تاني,' خلص ضميري، والمرة دي، ما ناقشتش.
"دورك. ابدأي على مسافة خطوتين من الشمعة، وبعدين 4 خطوات قبل ما تروحي لـ 5." بصيت له وعيني واسعة.
"أنت بجد شايف إني أقدر أعمل كده؟ مع كامل الاحترام، يا شي فو، بس أنت مجنون تماماً لو شايف إني نوع من خبراء الكونغ ف. أنا إنسانة عادية، وما فيش إنسان عادي يقدر يعمل كده. إيه اللي مخبيه، ها؟ سحر أسود؟ تعويذات؟" لمفاجأتي، كل اللي عمله إنه ضحك عليا وأنا بأهذي عن إزاي مش كويس نتدخل في الحاجات دي.
"شياو فو، ده ما كانش سحر من أي نوع. دي واحدة من أحسن الطرق عشان تتعلمي إزاي تحافظي على تركيزك وتعززيه. الموضوع مش مسألة 'إني أقدر' أو 'إني ما أقدرش' أعمل كده؛ الموضوع ببساطة مسألة رغبتك. لو عايزة تعملي كده، 'القدرة على' هتتبع. لما بتكوني عايزة، بتبذلي مجهود زيادة في التمرين، وده اللي بيجي معاه 'القدرة على عمل كده'." كان في كلام منطقي في اللي بيقوله، ولقيت نفسي بهز راسي.
"أنا عايزة أقدر أعمل كده. أنا عايزة أقدر أعمل أي حاجة أنت قادر عليها." قلت له بكل قلبي. ابتسم ليا وسحبني للمكان اللي المفروض أبدأ منه. ولع الشمعة، وراح على جنب عشان يخليني أبدأ المحاولة.
أخدت نفس، وحاولت أقلد الوضعية اللي عملها السيد هوانغ من شوية. استخدمت إيدي اليمين، ودفعتها لقدام، صوابعي بتشاور على الشمعة. لدهشتي، حتى ما اترعشتش. تنهدت بضيق، وسرقت نظرة للسيد هوانغ اللي كان بيتفرج عليا بتركيز.
'يلا يا كايس. تقدري تعملي كده.'
فضيت أفكاري، وبصيت على النار اللي على رأس الشمعة. ضيقت عينيا، وركزت على الضوء البرتقالي، ودفعت إيدي اليمين لقدام تاني بنفس الزاوية اللي عملتها بيها أول مرة.
ما اهتزتش. ولا حتى شوية.
صرخت بضيق، وبصيت للسيد هوانغ. "يا شي فو، أنا شكلي غبي!" تذمرت.
"شكلك زي واحدة بتحاول. دلوقتي، تاني," رد السيد هوانغ بصرامة.
بعد نص ساعة من عمل نفس الحاجة تاني وتاني، دراعي بدأت توجعني، والعرق بدأ ينزل من صدغي.
مرت ساعات، وأخيرًا قدرت أخليها تترعش. اترعشت شوية. طيب، يمكن كان الهواء اللي عدى من الشبابيك اللي اتفتحت شوية في الكوخ عشان الجو بقى مكتوم أكتر، بس اترعشت، وده المهم.
أعلن السيد هوانغ إن وقت العشا جه، فاستأذنت عشان أخد دش سريع. المية كانت متلجة، وفي كل مرة بتلمس جلدي، رعشة بتطلع في جسمي كله. أسناني كانت بتخبط في بعضها بصوت مزعج، وحاولت أربطهم ببعض عشان أمنع ده. البرودة كأنها بتتسرب لعضمي؛ كان جحيم كامل.
ثاني ما خلصت من لبس الهدوم، جريت لغرفة المعيشة اللي فيها موقد نار صغير مولع عشان يحافظ على دفء الكوخ، وقعدت هناك. الشمس كانت غربت من شوية، والهوا بقى بردان شوية بره.
استنيت السيد هوانغ والنار صديقتي الدائمة. ما كانتش بتساعد إني أصحى، وحسيت إن جسمي بيهتز شوية، فرحت للمكان اللي فيه الكرسي الهزاز عشان أتسند عليه شوية. حرارة النار احتضنتني، ولمست وشي بنعومة.
لما وصل السيد هوانغ، جاب معاه طبقين وعرض عليا واحد. أخدته وبدأت آكل. كانت وجبة بسيطة؛ لحمة وبطاطس وشوية خضار.
"عندك مزرعة," تمتمت بهدوء. "بس ما عندكش أي حيوانات، بس نباتات."
"وصفيلي إزاي وصلتي للاستنتاج ده؟" تحداني السيد هوانغ وهو بياكل أكله.
"طيب، مستحيل تكون بتشتري الحاجات دي. ده هيكون فيه مشكلة كبيرة لأنك هتحتاج تنزل كل الطريق لتحت الجبل. غير كده، شراء المكونات بيحتاج فلوس، وأنت ما بتشتغلش، فده بيشيل شراء الحاجات. أما عن عدم وجود مزرعة حيوانات، فده لأن ما سمعتش أي حاجة عن أي حيوانات، غير الطيور اللي بتطير من فترة للتانية." عديتهم على صوابعي، وأنا بأعض على شفايفي من وقت للتاني عشان أفكر في الموضوع.
"ومنين أجيب اللحمة اللي أنت بتاكلها دي؟" سأل، وهو بياكل المعلقة اللي معاه.
"من البر. لحمة أرنب أو سنجاب يمكن. عمري ما اهتميت بطعم لحمة الأرنب، فمش متأكدة. يمكن تكون لحمة تعبان، بس أرجوك ما تقوليش لو كانت كده."
هز راسه. "كويس، بتستخدمي عينيكي," وافق. طبطبت على نفسي ذهنياً لأني افتكرت الحاجات اللي بريانت علمهالي.
"أتوقع بريانت علمك كويس بما فيه الكفاية. أنا دايماً بقوله إن الناس بتشوف الحاجات، بس ما بيشوفوهاش بجد. ما بيستخدموش عينيهم كويس بما فيه الكفاية، ونفس الكلام بينطبق على الحواس التانية اللي أخدوها." استمعت بانتباه.
السيد هوانغ عمل النظرة البعيدة دي بعد ما أداني المحاضرة القصيرة دي. أكلنا في صمت، وبعد ما خلصنا، أخد الطبق بتاعي، وقالي أرتاح لأن بكرة مش هيكون أسهل من النهارده.
حاسة إن ده مجرد إحماء. إحساس جسمي بيوجعني بيقولي إني في رحلة لو بكرة هيكون أسوأ.