الفصل 59
صوت الجرس نطّني من الشرود، ودرت الوجه عشان أروح لدولابي. أخدت أغراضي وجهزت نفسي لـ ‘الموعد’ السريع ده بما إن الفترة الفاضية بتاعتي النهارده كانت بعد الغدا على طول. أخدت كل الواجبات اللي وزعوها علينا النهارده وحطيتها في الشنطة، وقفلتها بالسوستة وجريت من الأبواب المزدوجة بتاعة المدرسة أدور على واحد عيونُه خضرا بتجنن.
أيوه، ممكن بقى تفرح في عز مجدك دلوقتي. تغلبت على الإنكار ووصلت لمرحلة القبول. كان عندي مشاعر ناحية الواد، إيه يعني؟ كنا رايحين لحاجة من الحاجات اللي بينادوا عليها بيني على إنها ‘موعد’، إيه يعني؟ كان جامد ويمكن أكون وقعت في حبه، إيه يعني؟
أوكي، يمكن الموضوع كان أكبر بكتير من اللي بظهره.
أخيرًا شُفت صورة آدم وهو واقف جنب عجلته، شكله كان بيريح بعد يوم مليان ضغط. أكيد فيزيا، من غير شك.
"السماحة ما عندهاش حصص تحضرها؟" لف راسه ناحيتي وابتسم على طول عشان يحييني.
"حلو إنّي أشوفك أنت كمان، كايس." قلبت عيني على رسمياته. كأنه بيحاول يتجاهل إننا اتّبوسنا، والفكرة دي خلت ضميري يكشّر.
قررت أفتح موضوع قبل ما عقلي يبدأ يلف ويدور في كلام فارغ ويبوظ الدنيا عليا. ده مش هيكون كويس لأي حد فينا.
"طيب، رايحين فين النهاردة الضهر؟" كنت بهز على أطراف رجلي ساعتها، بحاول أهدّي أعصابي وكلمات بيني بتدخل في دماغي. هل ده بجد موعد ولا مجرد طريقة منه علشان يعتذر عن البوسة ويوضحلي إني مش بعرف أبوس كويس.
يا لهوي، يا ضمير، اذهب إلى الجحيم أنت واستنتاجاتك.
"فين المتعة في ده؟" ابتسملي ابتسامة خبيثة، وادّاني الخوذة وركب على عجلته علشان يشغّل الموتور. رفس الساندة وثبت العجلة برجليه في الأرض في الوقت اللي طلعت فيه وراه بعد ما ربطت الخوذة وركلت دواسة الرجل الجانبية علشان أحط رجلي.
قلبت عيني عليه للمرة التانية بغيظ. بس كان لازم أغرم بالنوع ده من الشباب؛ نمطي.
آدم سحب العجلة من حرم المدرسة وأخد طريق مألوف ودانا على بداية الغابة اللي هتوصلنا للوادي اللي ودّاني فيه اليوم اللي فات. بدأنا نمشي على رجلينا بعد ما آدم ركن عجلته تحت شجرة بلوط. ضحكنا ونهزر، وبنزق في بعضنا بشقاوة هنا وهنا، وعلى الرغم من إني كنت بموت وأتكلم عن البوسة بتاعة اليوم اللي فات، كنت يائسة إني أتمسك باللحظة دي اللي فيها مشاكلنا كانت بتبان بعيدة؛ متروكة في المدينة وإحنا مفيش حاجة تقلقنا.
أخيرًا وصلنا للمنحدر الصغير اللي في نص الغابة، والمرة دي، مشيت بحذر لتحت التل بدل ما أدحرج بأناقة زي المرة اللي فاتت لما كنت هنا.
آدم كان ماشي في المقدمة وبإيده الشمال بطانية مطوية، وإيده اليمين فيها كيسين ورق بني متّمسكين بكيس بلاستيك. عرضت عليه المساعدة بس هو كان مصمم إنه يعمل ده بنفسه، وقال حاجة زي إني لازم آخد استراحة من كل المهام التقيلة بين فترة والتانية. قررت إني أخلّيه يستمتع شوية كمان، كنت تعبانة إني أجادل معاه. لما أخيرًا وصلنا لشجرة في أسفل التل، بدأ يفرد البطانية ويطلع الأكل.
كنت عايزة أصور كل حاجة علشان تفضل للأبد بس ما كنتش عايزة أفسد الجو، فـ وقفت هناك، بتبص على كل حاجة في حالة من الذهول المطلق. ما خدش وقت طويل علشان يظبطها، وكان جنبي في لمح البصر، وبيقدم لي انحناءة مبالغ فيها بإيده الممدودة.
"يا سيدتي," قال بلهجة بريطانية سيئة، وقررت إني أنضم للمرح، وأبالغ في انحنائي، وأقرص الهوا وأمثل إني برفع تنورتي اللي مش موجودة.
"شكرًا لك." في كل أمانة، لهجتي البريطانية المزيفة كانت أسوأ منه. في الحقيقة، كانت سيئة أوي. آدم انتهى بيه المطاف إنه بيضحك بصوت عالي على الأرض، وبيتشبث ببطنه وبيمسح دموعه. حسيت إن وشي بيحمر بس ضحكت معاه، وجزء مني فرحان إني قدرت أكون السبب في إنه يضحك حتى لما الجزء التاني مني كان محرج من اللي عملته وكان عايز يحفر حفرة ويستخبى فيها بسبب اللي عملته.
الضحك مات أخيرًا وبدأنا نفتح الأكل، ونطلعه من الأكياس الورق البني وناخد قضمة من كل نوع من الأكل قبل ما نبدل أكلنا بأكل بعض. كنت على وشك إني أزقزق وأنط لفوق وتحت زي بنت في المدرسة بتحب ومبسوطة كل ما يبتسم الابتسامة دي اللي فيها غمازات، بس كنت محظوظة بما يكفي إني أمتلك تحكم في النفس لا يصدق منعني إني أعمل حاجة كانت هتنتهي بـ إهانة أبدية.
"يا جماعة! مجرد قضمة صغيرة، في النهاية، مش كويس إننا نضيع الأكل، صح؟" عملت وشّي بتاع عيون الجرو وخليته يفتح بقه بتردد، وادّاني الفرصة إني أدخل المعلقة فيه.
مضغ فيها بتفكر في الوقت اللي كنت فيه مستلقية على ظهري، بحس بالشبع والانتفاخ بشكل لا يصدق. طبطبت على بطني بلطف قبل ما أستسلم للرغبة إني أتكرع. تنهدت براحة لما حسيت الإحساس ده بتاع الدوخة في بطني بيختفي بعد التكرع اللي كان يستاهل الشكر.
فجأة، نغمة رنين قطعت الجو الهادي بتاع الغابة وخلتني أقفز من جلدي. آدم فتّش في جيوبه علشان موبايله وأخد نظرة على مين اللي بيتصل. ما كنتش أعرف مين اللي على الخط التاني بس أيًّا كان، أكيد ما كانوش بيتصلوا علشان يدّوله أي أخبار مبهجة.
دمعة هربت من عينيه اللي بقت حمرا ومنتفخة دلوقتي، وانهار قدامي بإيده بتتشبث بالموبايل بإحكام، مضغوط على ودنه. شهقة خرجت وطلعت على طول أخدت شكله المرتعش في حضني زي ما أخدني في حضنه لما كان عندي كابوسي. ما سألتش أي أسئلة، بس مسكته قريب مني وسمحتله إنه يبكي، دموعي أنا كمان بتنزل على خدي. حتى لو ما كنتش أعرف مين اللي على الخط التاني، كنت أعرف إن الوحيدة اللي ممكن تخلي آدم يعيط بالسوء ده مافيش غير الست اللي ربّته.
عرفت ساعتها إن كارلا مش موجودة. سبب إنّي أستمر في القتال مابقاش موجود، وحسيت إن كل عزيمتي بتذوب في التراب.