الفصل 32
أخذت الكوب الخزفي وشلته، وقربته من شفايفي عشان أنفخ عليه. بخار بيصعد فوق السائل الغامق. شربت منه والطعم المر ملأ حواسي، وغمر براعم التذوق، واستمتعت بيه، وسمحت للسائل إنه ينزل في حلقي، وترك وراه إحساس ساخن.
أنا عمري ما حبيت القهوة، بس اليوم كان استثناء. الصداع ده هيموتني.
استنيت طول الليل عشان أقول للباقيين، وكلمتهم عشان ياخدوني من بيتي في طريقهم للمدرسة، ودلوقتي، أنا صماء. الرنين المستمر في وداني وأنا بتفرج على البنت القصيرة بتمشي جيئة وذهابًا كان بيدوخني.
إيدي نطت عشان توقف خطوتها الجاية، وأنا برعى راسي النابض.
"موني، بالله عليكي، بطلي تصرييح صوتك ده," توسلت لأختي الصغيرة. ممكن تكون صغيرة بس يا لهوي، أوتارها الصوتية قوية.
جاك كان خلاص زهق من التوسل وقعد هناك بهدوء، بيشرب شاي كأن حبيبته مش ناوية تعض راسي عشان قلت لها كفاية.
"إيه تتوقعي مني أعمله يا كيس؟ أقعد بهدوء وأنتي بتكشفي إن دوم، صديق طفولتنا دوم، كان له دخل في موت أخونا؟! خلاص، مالكيش دعوة، ممكن ترمي الفكرة دي من الشباك عشان أنا مش قادرة. أنا بس مش قادرة," قالت بغضب.
تنفسها كان بصعوبة، وأنفيها بتشتعل، وصدرها بيطلع وينزل. كان في نظرة وحشية في عيونها اللي ماشفتيهاش إلا لما حد أخد منها الحلوى لما كان عندها 10 سنين.
كان بدري أوي على الكلام ده. كان يوم الاتنين ودلوقتي معنديش أي خطط إني أغيب من المدرسة. درت عشان أبص على المنضدة، واديها ضهري عشان أبص عليها بدلًا من كدة، ورجعت أحط زبدة على التوست، وأشرب قهوتي.
"إنتي فاكرة إني مش خايفة من ده؟ حقيقة إنه كان له دخل مقرفة.". انفجرت، وكان في رجفة خفيفة في صوتي اللي كان صعب تتجاهلها.
"ده غير إنه غالبا بعت الواد الغبي الجبان ده عشان يخطفني. إيه المهزلة. أنا في الحقيقة حاسة بالإهانة. فاكر إنه يقدر يخطفني بالسهولة دي، ها.". تمتمت بتذمر.
كان المفروض تبقى اللحظة دي اللي بتتكلم فيها مع نفسك، بس طبعًا موني اختارت الوقت ده بالذات عشان يكون عندها حاسة سمع خارقة.
"هو عمل إيه؟!". صرخت في رعب. يا لهوي.
هزيت كتفي، "نسيت أقولك. أنا تقريبا ضربت لحد ما بقيت عجينة من شوية بهايم على منشطات ورجالتهم بعد حفلة بنيلوبي عزمتني عليها.". شرحت بنبرة اعتذارية وهمية.
"آه، البنت دي," قالت موني بظلام، و للحظة صمت، ووجيزة، كنت مرعوبة على سلامة بينيلوبي؛ المرة دي من بنت عمي نفسها.
قلت لموني على بينيلوبي في التليفون في اليوم اللي بدأت تكلمني فيه.
في اللحظة اللي وصفت فيها الشخصية المرحة اللي عند بيني، موني بطريقة ما مصممة إن بيني مزيفة، بتلعب على اتنين، و ولا تسوى حاجة. اللي طبعًا كسب أقصى اعتراض مني.
بينيلوبي كانت أحلى بنت اتشرفت إني قابلتها، ومفهمتش إزاي موني وصلت لإنها تشك إنها بتستخدمي.
قررت إني أتجاهل اتهامات موني ضدها و بس عملت ودن من طين تجاه صراخها.
بصيت بتحدي على التوست بينما موني بتستمر في توبيخي على إني واثقة زيادة عن اللزوم، شهيتي أخدت إجازة، وشكلها مش راجعة في أي وقت قريب.
سمعت صوت خطوات قدم ناعمة بتقرب، وإيد نزلت على كتفي. انتفضت، وده خلى الإيد تنزل من لوح كتفي، و لرعبي الشديد؛ حسيت بشعور خيبة أمل بسيطة لما اكتشفتي الإيد دي بتاعة مين.
درت عشان أبص على الراجل صاحب العيون الخضرا اللي وشه كان على بعد سنتيمترات مني.
حركت رجلي، بحاول أعمل مساحة على قد ما أقدر بينا، ومسكت في حافة المنضدة.
"ي-ي-يجب إننا نروح المدرسة. إحنا اتأخرنا." تلعثمت، و حولت عيني في مكان تاني.
الراجل ده عمره ما سمع عن حاجة اسمها مساحة شخصية؟ طيب، هو بيغزو مساحتي.
هز رأسه جامد قبل ما يتحرك كام خطوة لورا، بيبص علي شوية ومشي من المطبخ. سبت النفس اللي حتي ماكنتش أعرف إني ماسكاه، وقبضتي على الترابيزة اتفكت قبل ما جسمي ينهار لقدام.
امسك نفسك شوية، يا أهبل.
بعدين بس أدركت إن جاك و موني مش موجودين في أي مكان. بما إن زاك واضح إنه سافر من البلد من يومين عشان يرجع للمكان اللي جه منه، مابقاش غير أربعة منا. آدم مشي على نفس الخطى بعد الاتنين، وسابني مع أفكاري في المطبخ.
هزيت رأسي قبل ما أدخل التوست جوه بوقي، ومضغته حواليه. تجاهلت الطعم اللي صحالي ردود أفعالي، ونزلته مع باقي القهوة بتاعتي.
مسحت بوقي بضهر إيدي. 'ماما كانت هتموتني لو شافت اللي عملته في التوست ده'، كل اللي فكرت فيه بينما كنت بجري بره المطبخ ومسكت شنطتي في طريقي للخروج. علقتها على كتفي وجريت عشان ألحق بالباقيين.
بعد ما قفلت البيت، لحقت بـ آدم وركبت على عجلته بسرعة بينما كنت بركب الخوذة وبشوط على دواسة الرجل، وبأعلق رجلي عليها بعد كدة.
آدم استنى عشان أرتاح بس هو محاولش يخليني الف إيدي حوالين وسطه المرة دي، استنى إني أمسك في كتفه زي أي مرة تانية قبل ما العجلة اندفعت في الشارع.
كنا ساكتين في طريقنا للمدرسة. مش كأنك ممكن تسمع أي حاجة على أي حال، صوت موتور العجلة كان هيغرق أي صوت بيطلع من بقنا يبقى ليه نتعب نفسنا.
بينما مبنى المدرسة ظهر في المشهد، فكرة مرعبة ملأت عقلي؛ إزاي هفسر أي حاجة لـ بيني؟
"آه أهلا بيني، فاكرة الراجل اللي مع الحراس الشخصيين اللي حاولوا يخطفونا وربما يغتصبوكي في العملية؟ أيوة؟ هما كانوا جايين ورايا عشان حد عايزني أموت."
بدت أكتر غباء في رأسي.
يارب بس ماطلعش شكل المهرج.
الرعب اللي حسيت بيه كأنه مرساة مربوطة في قلبي كان بيشد قلبي معاه ببطء بس بأكيد، بينزلق لتحت في معدتي في الثانية اللي بدانا نقرب فيها من الأبواب المزدوجة اللي بتؤدي للمدرسة مع كل خطوة.
حاجة هتحصل وأنا شبه متأكدة إني مش هحبها.