الفصل 203
وقفت العربية في المكان اللي نزلت فيه كيسي قبل شوية، ونزلت. رحت أركض لعند الباب الأمامي، وكانت كيسي واقفة هناك، ووحدة من صاحباتها واقفة وراها بشوية، ومعاها حاجة شكلها شنطة أختي.
عيوني اتلاقت مع عيون كيسي، وبدأت تمشي. ما عرفت أقرأ تعابير وجهها، كانت بتبص قدامها على طول، وبتمشي بسرعة. هديت سرعتي، جاهز عشان أفتح دراعي وأحضنها، بس هي عدت من جنبي ومشيت ناحية العربية. لفيت عشان أبص على ضهرها وهي لسه بتمشي، وبعدين رجعت لصاحبتها، وهي بتديني أغراض كيسي.
صاحبة كيسي بصت لي وبتهز راسها، يعني فهمتني إن الدنيا بايظة. وأنا باخد شنطة كيسي منها، وبجري ورا أختي الصغيرة اللي كانت بالفعل بتمشي ناحية العربية، لاحظت سحب رجليها، كأنها أتقل حاجة ممكن تشيلها. وده كان وقت ما أدركت إنها حافية.
ما جابتش كعوبها، وشكله صاحباتها ما معاهمش. ده بس خلى قلقي يزيد.
كنت بموت وأسألها إيه اللي حصل جوه، بس عرفت إني ما ينفعش أخليها تفتح قلبها وهي مش عايزة.
لما دخلنا العربية، حطيت شنطتها في الكرسي اللي ورا، وتوقفت شوية عشان أبص عليها، أتأكد إنها مش هتنهار قريب. لما ما عملتش أي حركة عشان تتواصل معايا بالعين، ربطت حزام الأمان واعتبرت ده طريقتها الصامتة عشان تقول لي بس أسوق.
كيسي عينيها مثبتة على الطريق اللي قدامها أو على الشباك، بتبص على المنظر اللي بيعدي بسرعة، ومش بتقول أي حاجة.
عضيت لساني، وكتمت الرغبة في الكلام، واكتفيت إني أبص عليها من وقت للتاني عشان أتأكد إنها لسه كويسة، لو ممكن أقول كده. هي كانت أكتر زي قنبلة موقوتة من غير فتيل. ما حدش يعرف إمتى هتنزل.
أخدت شوية أبص عليها عشان ألاحظ إن المكياج اللي كانت لابساه الصبح قبل ما تروح الحفلة، اتمسح خالص.
ما ظهرتش علامات غضب أو حزن. هي بس كانت ساكتة.
بعد شوية، نزلت على الكرسي، وهي بتتحرك من حزام الأمان اللي على جسمها، وحطت راسها على أسفل شباك العربية.
كنت متأكد إن فيه أوضاع مريحة أكتر ممكن تعملها من كده، بس ما علقتش، وعينيها غمضت. وده كان وقت ما لاحظت حاجة تانية عن أختي الصغيرة الليلة دي. لسبب ما، شكلها كبر في السن في الساعات القليلة اللي كانت فيها في الحفلة دي. شكلها كان مرهق، تقريبا خلصانة، مستسلمة.
لإيه، مش متأكد. وما كنتش متحمس أعرف الإجابة برضو.
خليتها تنام في هدوء، ومش قادر أتحمل إزاي هي مستنزفة عاطفيا. ما كانتش بتبان كويسة من اليوم اللي قالت لي فيه إنها هتروح الحفلة دي. كنت متأكد إنها بتكره فكرة إننا اتخانقنا بسببها برضو. خصوصا إني كنت متأكد إنها ما كانتش عايزة تروح في المقام الأول.
دوّنت في عقلي إني لازم أقفل على السوبر ماركت عشان أجيب آيس كريم تاني. ما أعتقدش اللي باقي في الفريزر هيكون كفاية عشان أخلي أختي الصغيرة ترجع للحياة.
بشكل مفاجئ، ما كانش فيه عربيات كتير في الطريق الليلة دي، دوست أكتر على دواسة البنزين برجلي، والعربية بدأت تزيد سرعتها في الطريق الفاضي. ما كناش بعيدين قوي عن البيت.
فجأة، كرات النور في المسافة ظهرت. شكلها كان زي كشافات العربية، بس اللي حيرني هو مكانها على الطريق. من مكان الكشافات، كان شكله العربية في نص الطريق، بتاخد نص الحارتين، وده ما ينفعش يكون صح.
غمضت عيني عشان أتأكد إنهم مش كشافات موتوسيكل بدل عربية.
لا. أكيد مش موتوسيكلات، الكشافات بتكبر أوي عشان تكون كشافات موتوسيكل، والمسافة بينهم ثابتة.
كل ما الكشافات تكبر أكتر وأكتر واحنا بنقرب منها، أدركت إيه اللي بيزيد سرعته ناحيتنا بسرعة بتخوف. حسيت إن عيني بتتسع، وحسيت إن قلبي بدأ يزيد ضرباته في صدري. كان فيه شعور وحش بيزيد في بطني، بيقول لي إن فيه حاجة وحشة هتحصل.
السرعة اللي الشاحنة كانت طايرة بيها ناحيتنا من الاتجاه التاني كانت سبب من الأسباب، والطريقة اللي ما اتحركتش بيها حتى بعد ما دوست على الكلاكس شوية مرات كانت سبب تاني. أخدت الحارتين، وما خلتش لينا أي مساحة عشان نتفاداها.
"إيه الخرا ده.." قلت، وأنا بدوس على الكلاكس للشاحنة عشان يعرفوا إننا جايين من الاتجاه التاني، عشان يرجعوا لحارتهم ويدونا طريقة نعدي بيها.
بس الشاحنة ما اتحركتش حتى سنتي ناحية الجنب. ما كانش فيه أي علامات إنها بتهدي أو بتبعد، ولما أدركت إن المسافة بينا هتتقفل في ثواني معدودة، إيدي طلعت عشان أصحّي كيسي.
هزيت ركبتها بعنف، "كيس! اصحي!" صرخت عليها، ومش قادر أتحكم في الخوف في صوتي. كنت بالفعل بقلل سرعتنا على قد ما أقدر، بس الشاحنة شكلها كانت بتزود سرعتها بدل كده.
ما بطلتش أهز ركبة كيسي، وأنا مش شايل عيني من الطريق، لحد ما حسيت بيها بتظبط حزام الأمان بسرعة وبتضم ركبها لجسمها عشان تتكور وتحمي نفسها على قد ما تقدر.
مسكت الدركسيون جامد عشان أحاول أخلي إيدي ما ترتعش. قلبي بيدق ضد صدري بشكل مؤلم تقريبا. كان فيه كتلة محشورة في زوري بتكبر بنفس المعدل اللي الكشافات اللي قدامي بتكبر بيه.
عمرك سمعت عن المثل اللي بيقول إن أحسن مكان ممكن تقعد فيه كراكب في العربية هو المكان اللي ورا كرسي السواق على طول؟ لأن في حادثة، غريزة السواق الأولى هتكون إنه يحيد بالعربية ناحية الجنب اللي هو فيه بعيد عن التصادم عشان يقلل التأثير عليه.
القعدة وراه في العربية معناها، لو السواق عنده تحكم في الجنب اللي هيتصادم مع عربية أو شيء تاني، يبقى أنت قاعد في الجنب الآمن في العربية.
مسكت الدركسيون جامد، وفي الثواني القليلة الأخيرة، فكيت حزام الأمان وقفلت الدركسيون ناحية الشمال، في الاتجاه اللي كيسي قاعدة فيه قبل ما أرمي نفسي على جنب كيسي في العربية، وأغطي جسمها بجسمي وأنا بستخدم الجزء العلوي من جسمي عشان أحمي أختي الصغيرة. حسيت بقوة التصادم قبل ما العالم حواليا يميل ويبدأ يلف. خليت عيني مقفولة من الرعب الكامل وإحنا بنقع تحت رحمة الجاذبية.
أصوات صراخ كيسي وصراخي، مع صوت العربية وهي بتخربش في الطريق الممهد، كانت الحاجات الوحيدة اللي سمعتها لحد ما الرنين العالي حل مكانها.