الفصل 93
صحيت اليوم اللي بعده وركبي بتطق طقطقة كل ما انحنيتهم واستقمتهم. عظامي طلعت صوت فرقعة وأنا بتمدد. جسمي كله كان موجوع بشكل مفاجئ من التدريب المصغر أمس. ما خطرش على بالي إن الحركات الصغيرة دي ممكن تسبب وجع وحش كده في عضلات ذراعي.
لما طلعت من زاويتي، كان الأستاذ هوانج بالفعل في المطبخ، بيعمل فطار لينا احنا الاثنين. أخدت أدوات الحمام بتاعتي ومشيت في الممر القصير للحمام عشان أغسل سناني. بعد ما اتظبطت، رجعت لزاويتي عشان أحط أدوات الحمام بتاعتي ودخلت المطبخ، وأخدت تفاحة وعضيت فيها. العصير غرق براعم التذوق بتاعتي. الطعم الحامض كان بارز وفقع عيني.
"تمام، صحيت. يلا بقى ناكل. عندنا حاجات كتير لازم نغطيها، وأتوقع إنك تتقنها. بما إن مافيش قدامنا غير أسبوعين أو يمكن أقل، مش هينفع نضيع وقت زيادة، عشان كده كُل." الأستاذ هوانج حتى ما كلفش نفسه يعمل كلام صغير، وأنا مشيت وراه. مسكت عيدان الأكل الخشب وبدأت آكل.
كان فيه مشكلة كبيرة في محاولة الأكل باستخدام عيدان الأكل، لأني دايما بفضل المعالق والشوك عليهم. استخدمتهم مرة أو مرتين بس أهلي دايما كانوا بيقولولي إن الطريقة اللي ماسك بيها غريبة شوية، وعمرهم ما صححولي. شكيت إن بريانت له دخل في الموضوع ده، لأنه هو اللي دايما كان بيؤمن بالتفرد، وكان دايما بيشجعني أعمل حاجات مختلفة.
أخد شوية وقت عشان أخلص عشان أصابعي مش ماهرة في استخدام الأداة دي، بس في النهاية زقيت اللقمة الأخيرة في بوقي وشطفت الأطباق بسرعة. ربطت شعري وحطيت مزيل عرق عشان أكون جاهزة عشان أبدأ التدريب تاني. طلعت من الكابينة، وجريت للمكان اللي كان واقف فيه الأستاذ هوانج، وعيونه مقفولة ورجله مفتوحة شوية وإيديه متشابكة ورا ضهره.
"النهارده هيكون اليوم اللي هتراجع فيه." كشرت في وشه، مكنتش حابة فكرة الموضوع.
"تقصد أمشي في الروتين ده، تاني؟ يا لهوي. لأ، تعرفوا رجلي دول قد إيه موجوعة؟ لو لازم أعمل مجموعة تانية من ضرب الهوا، مش هتفاجأ لو فجأة وقعوا من جسمي،" اتعصبت. لأ، مكنش ينفع أمشي في مجموعة تانية من التمرين ده. خلاص. امبارح كان كفاية عليا.
"لأ، مش هتقدر تخليني أعمل كده. مش هعملها. الفكرة دي ممكن تتحرق في جهنم على اللي عملته. مش هعملها!" رفضت، كنت تعبانة من إني أبدو كإني غبية، بضرب في الهوا اللي قدامي. أمم، أعمل كده لمدة ساعة تانية ورجلي موجوعة أصلا زي ما هي دلوقتي؟ لأ شكرا، أفضل لأ.
بس طلع إن الأستاذ هوانج عنده أفكار تانية. بعد دقايق، كنت واقفة قدامه، بحاول أمسك شوية فلوس ورق وهي بتقع. طارت على الأرض بأناقة، بتتهكم عليا. فاكرة إنهم بيقعوا بالراحة على الأرض وإن الموضوع سهل زي الزفت إنك تمسكهم؟ جربي. مش هيحرقوا بيتك، جربي. بتحداكي. مش هينفع تندهيلي ع**ية واطية لحد ما تجربي ده نص يوم بعد ما ضربتي هوا نص اليوم التاني، بتحاولي تعملي حاجة مستحيلة تقريبا. (تأكدي إن الصوابع اللي هتستخدميها عشان تمسكيها على الأقل تكون على بعد 5 بوصات من المكان اللي هتتحدف منه)
شكرا للإنسان المقدس اللي فوق، الأستاذ هوانج سمحلي أخيرا إني أوقف وأخد بريك قصير. اعتزت بالوقت اللي كان عندي قبل ما التدريب يرجع تاني، وبعدها بس أدركت قد إيه الأستاذ هوانج ممكن يكون مجنون.
‘على الأقل هو أستاذ مجنون في فنون القتال ومش شحات مجنون متشرشح بيمشي عريان في الشوارع.' أفكاري قالت باستهزاء، وبتعرضلي ذكريات عن المرة اللي مسكت فيها راجل عريان بيمشي في شوارع مدينتي المزدحمة. العربيات بتمر هنا وهنا والراجل العجوز ده واقف هناك، بيمشي ببطء بشكل لا يصدق كأنه عنده كل الوقت في الدنيا. على الأقل يبقى عندك حياء وتتغطى، يا رجل.
كان فيه جزء مني حس بالأسف على الراجل بس أغلب الوقت حسيت بالشفقة على عيني.
نرجع للموضوع، بطل تخريف يا مؤلفة. ركزي.
وبعد ما البريك القصير بتاعي اللي شربت فيه مية باردة بشكل مفاجئ وريحت، دورت على الأستاذ هوانج اللي استأذن ومشي شوية. لما لمحته، نطيت بفرحة ناحيته، بحاول أرفع معنوياتي. مين يعرف لو حاولت أمثل إني سعيدة ومبسوطة، ممكن تتحول لإحساس حقيقي وتعدي إلى ضميري الواطي. هيكون لطيف لو مدحني مرة واحدة بس في حياتي.
"أنا جاهزة." ناديته. دار عشان يواجهني وبدأ يرشدني إني أجيب كيس بلاستيك أسود كبير، اللي بيستخدموه عادة للقمامة، قبل ما يشرحلي اللي المفروض أعمله بعدها.
"النهارده هيكون يوم ‘روح الخضرة'; يعني، هتنظفي القمامة على طول المكان ده وتحت التل اللي المتنزهين بيمشوا فيه عادة لما بيعملوا رحلات."
عبست. هكون الست بتاعة الزبالة؟ إيه؟
"معلش؟" طلبت منه السماح ولف عينيه. "أخوكي كان عنده نفس النظرة الغبية في عينه لما قلتله يعمل كده مرة. كلكم زي بعض، يا ولاد المرفهين." خطف البلاستيك من إيدي ونزل زجاجة بلاستيك. انحنى ومسكها وواجهني. أداني نظرة مركزة بتصرخ ‘شايفة ده؟'، قبل ما يرمي الزجاجة في البلاستيك.
"وصلت؟ طيب، يلا." مدلي كيس البلاستيك تاني في إيدي المترهلة ووجهني ناحية الطريق اللي بيودي للمسار بتاع المتنزهين. بدون أي إنذار، زقني في الاتجاه ده وزقني بعيد.
‘يا سلام على الطريقة اللي بتخلي الواحد يحس إنه مرحب بيه هنا،' رديت في سري مع لف عيني، بس فضلت ماشية لقدام على طول.
"دي يمكن كانت أسهل طريقة للتخلص من حد مش قادر تتحمله إنه قدام عينك. لعب كويس، يا أستاذ هوانج."
ضميري فكر. مش غريب إنه كان شي فو (أستاذ)، هو راجل ذكي.
بدأت رحلتي وانتهيت بتنظيف مسار المتنزهين بالكامل. بما إني ما جبتش شنطتي معايا، مكنش عندي أكياس بلاستيك عشان أغطي بيها إيدي وأنا بلم القمامة اللي كانت متناثرة في كل مكان. شوية منها أكيد كانت موجودة هناك من أسابيع، لأن الأغلبية كانت مدفونة نصها تحت الأرض. لقيت أعقاب سجاير، ورق حلويات، علب فارغة من أنواع مختلفة من المشروبات والأكل المعلب. كانت في كل مكان وأقسم إني لو لقيت الناس اللي سابوها هناك، هخنقهم في مكانهم. مش هيهمني إذا كانوا أغنياء، هفضل أضربهم عشان سابوا وسخ زي ده عشان مين ما يعرفش يلمه.
طلع إن المسار طويل عشان كده قضيت اليوم كله ماشية فيه، وبزود الوجع في ضهري كل ما انحنيت عشان ألم زبالة تانية.
أخيرا أخدت بريك عند شجرة كبيرة عندها فروع عريضة بتخدم كظل كويس من اللي فاضل من الشمس. الشمس كانت بتبدأ تغرب قريب وأنا لسه قدامي شوية أمتار لازم أغطيها قبل ما أرجع؛ اللي بالمناسبة، مش مشي قصير. كل اللي كنت بفكر فيه هو ‘دي أكتر مهمة سخيفة اتسلمت ليا' و ‘المفروض أخد مرتب من الحكومة على إني بعمل الزفت ده'.
مع تنهيدة ثقيلة، رجعت على رجلي واستأنفت خدمتي المجتمعية بقية الطريق. في نهاية المسار ده، كان فيه مفاجأة جامدة مستنياني.
خمنوا إيه كانت.
طيب لو كنتوا فاكرين إنها كانت 7 أكوام مختلفة من الزبالة، متناثرة على المنطقة اللي ممكن تكون بحجم تل صغير، يبقى خمنتوا صح. تذكرت إني بصيت على السحاب، وطلعت صوت تنهيدة عالية وسبت كل المتنزهين اللي سابوا مسار الزبالة المهجور ده في طريقهم. إيه اللي حصل لـ ‘تقدير الطبيعة'؟!
حاولت أنظف بأسرع ما يمكن بس بمجرد ما انحنيت واستقمت بسرعة أوي، ضهري اتشنج، وده خلاني تقريبا أقع على الأرض بسببه. يا خسارة، ده أسوأ بكتير من جلسات التدريب دي. دراع موجوعة، أقدر أتعامل معاه. ضهر متشنج؟ لأ شكرا. أستبدل التاني بالأول في أي وقت.
أخدت ساعة تانية، بحسب من السما اللي ضلمت، عشان أخلص كل حاجة. لسه كان لازم أشيل كيس البلاستيك المليان والريحة دي كلها لحد كابينة الأستاذ هوانج، اللي كان تمرين في حد ذاته. ربطت فم كيس البلاستيك عشان أتأكد إن مافيش حاجة هتتسرب وشيلته على كتفي الشمال.
في اللحظة اللي كنت واقفة فيها قدام كابينة الأستاذ هوانج، رميت كيس البلاستيك ووقعت على مؤخرتي على الأرض الخالية من العشب. "ياريت بس تقولوا إن عندكم أكل هناك بيتمنى حد ياكله لأني ميتة من الجوع." توسلت إليه وضحك عليا.
"آه، ويا ريت تقولوا إن دي آخر مهمة النهارده لأني أقسم إني لو لازم أعمل واحدة زيادة، هغمى عليا من الإرهاق وهعاني من أطراف متشنجة." ضحك الأستاذ هوانج ولوح ليا، وقاللي أدخل الكابينة.
اتنضفت وأكلت عشا بعدها، ودعت الأستاذ هوانج تصبح على خير وروح عند مكاني.
في اللحظة اللي راسي لمست فيها الغطاء، أغمى عليا والضلمة حاصرتني.