الفصل 54
طلعت برا المدرسة، وأنا بأمل أتجنب سونيا وماديسون في طريقي. خليت راسي واطي وعيني مثبتة على الأرض.
بمجرد ما طلعت من المبنى، الشمس ضربت عيني وعمتني للحظة، وغصبت نظري تتكيف مع تغيير الإضاءة، ولما قدرت أشوف تاني، بصيت حواليا بدور على آدم عشان يوصلني البيت، بس فجأة لاحظت إن فيه حاجة غلط.
حاجة في بطني قالتلي إن ده مش كويس، إن فيه حاجة وحشة هتحصل. فضلت ثابتة في مكاني، بحاول أفهم الصراخ والصياح الخفيف اللي جاي من بعيد. حاولت أحدد الاتجاه اللي جاي منه. راسي اتلفت على جنب، أخيرا قدرت أميز منين الضوضاء دي.
بصيت حواليا وشفتي إن آدم لسه ما ظهرش، أخدت قرار سريع وجريت على جنب المدرسة اللي فيه الاستاد.
في اللحظة اللي شفتي فيها حجم الزحمة، عرفت إن فيه حاجة غلط خالص. حتى لما أكبر بلطجي عمل خناقة كاملة مع صاحبه عشان لقى حبيبته بتخونه، الزحمة ما كانتش كبيرة زي دي.
شقيت طريقي، بخبط راسي في دراعات الناس كذا مرة، وأنا بأسناني على بعضي من الضيق. لما أخيرا شفتي إيه اللي بيحصل، طلعت فورا من الدايرة بتاعة المتفرجين وجريت على النص اللي فيه الخناقة. صرخت بأعلى صوتي، بس هما لسه بيضربوا.
ما كانتش خناقة عادلة. خمسة رجالة، كلهم بلطجية بجسمهم الضخم، بيحاصروا واحد بملامح مألوفة كأنه فريسة ليهم. فضلوا يوجهوا لكمات، ولما شفتي حالة الضحية، ما فكرتش حتى ثانية في سري، ما فكرتش ازاي هما هيعرفوا، ازاي هحط كل حاجة على المحك. بس اندفعت من غير ما أفكر، ورميت كل أولوياتي من الشباك، مع حاجة واحدة في راسي؛ آدم.
تلاتة رجالة كانوا ماسكينه، ورغم إني شفتي إنه بيقاوم وبيتخانق ضد مسكتهم، بيرمي راسه لورا وبيضرب واحد منهم براسه، بس مش هيقدر يكسب الخناقة دي. ما يهمش إنه مقاتل شوارع، لو ما عملتش حاجة، كان زمانه خلصان.
رميت كل حاجة، شنطتي، ملفاتي، كتبي، وجريت ناحيتهم. بقفزة واحدة، نطيت على واحد من البلطجية اللي كان بيضرب آدم وعصرته من رقبته ومسكته في خناقة حلقية، وانسحبت من جنبه وأنا مثبتة رقبته في ذراعى. صرخت تاني والمرة دي سمعوني. أخدت كل انتباههم.
ما كنتش خلاص البنت النيرد اللي شافوني بيها السنتين اللي فاتوا، كنت بيكسي، مقاتلة الشوارع اللي لازم يخافوا منها عشان دلوقتي، بيكسي طالعة تجيب دم. كل اللي كنت شايفاه أحمر، كل اللي في راسي إني أخليهم يبطلوا يوجعوا الراجل اللي بحبه.
"سيبوه يمشي وإلا مش هتشوفوا صاحبكم الشهر الجاي." قلت بنبرة حادة، وتعابير وجهي ما فيهاش أي حاجة. محدش بيلعب مع الناس اللي بحبهم.
بالراحة سابوا آدم، وفكيت مسكتي على صاحبهم، وسبته يكافح عشان يدخل هوا في رئتيه، وجريت على جنب آدم وساعدته يقوم. كنت شايفه من جروحه إنهم وجعوه بجد، وحسيت بغضبي بيزيد. الأوغاد دول.
"هاي،" آدم ابتسم بضعف، الجرح اللي في شفايفه فتح أكتر، وعرفت إنه بيوجعه عشان وقف بسرعة يحاول يبتسم.
هزيت راسي على حركاته، وأيدي اتسللت وراه، ماسكاه من جنبه، وأخدت دراعه، وحطيته حواليا. خليته يتسند عليا وشيلت وزنه، وده خلاني أتنهد شوية من تقله. يا ربي، ليه ما يقدرش يوزن زي جرو صغير، كان وفر عليا تعب كتير.
"إيه اللي حصل؟" سألته بجدية وأنا بساعده يقف على رجله، بس هو هز راسه بصمت.
"مش عارف، هما نطوا عليا وفاجئوني، مسكوني وبدأوا يضربوا فيا." حسيت إن اللي جوايا بيغلي من اللي قاله. عارفة إن لازم تكون القصة بالعكس في القصص، بس ما يهمنيش أنقذ مؤخرة البابون ده في أي يوم.
"يلا نمشي،" طلعت الكلمة بصعوبة، وساعدته يمشي خطوتين قبل ما يوقفنا صوت.
سونيا.
"يعني بتعرفي تتخانقي."
آدم حاول يمد رقبته عشان يواجهها، فـوقفت في نص الخطوة وساعدته يلف عشان يواجه ولادة الشيطان نفسها. بصيتلها بتعبير فارغ. ليه بتسأل دلوقتي؟
دي عمية.
المرة دي، وافقت بكل سرور مع ضميري، بس بمجرد ما شفتي ابتسامتها، عرفت إن ليها دخل في اللي حصل لآدم.
هي اللي عملت كده.
كانت فخ.
إزاي ممكن حد يكون قاسي كده؟ كنت عايزة أنقض عليها وأضربها ضرب مبرح، بس آدم كان محتاجني كدعم، وعشان كده، فضلت أعطيها واجهة بلا تعابير.
"أيوة، هي بتعرف."
بصيت لـ آدم ورفع إيده كأنه بيقول إنه ما قالش حاجة. كنت عارفة إن الصوت كان أنثوي زيادة عن اللزوم عشان يكون صوت راجل، يبقى مين اللي قالها؟
لفيت شوية بس عشان أواجه ماديسون اللي كان عندها تعبير جامد، وفي رؤيتها، قدرت أحس بفضولي بيكبر. ليه بتدافع عني؟ هي كانت عايزاني أموت بسبب اللي حصل لـ براينت، ومن اللي شوفته الليلة دي في الحفلة اللي قابلت فيها دوم ومونيك، كانت صاحبة سونيا.
"براينت علمها من زمان، شفتيهم بيتدربوا كذا مرة." بصرها انتقل عليا، بتقولي أطلع من هنا، وأديتها إيماءة بسيطة؛ لا أقل ولا أكتر. بعد اللي عملته فيا السنين دي كلها، هياخد كتير عشان تكسب تعاطفي تاني.
"يلا نمشي،" همست لـ آدم بصوت واطي، وبساعده يمشي وبخلي ماديسون تتعامل مع سونيا.
ساعدت آدم يعرج على موتوسيكله، وفي الأول، كنت قلقانة مين هيسوق، بس بما إن الناس عرفوا إني أعرف أضرب، قررت إني لازم أعمل كل اللي في وسعي دلوقتي.
ساعدت آدم على الموتوسيكل وبهدوء ساعدته يحط الخوذة، اتزلقت على المساحة اللي قدامه، وشغلت الخوذة بتاعتي، وبدأت الموتور قبل ما أطلع من هناك. خليت آدم يمسك فيا من وسطي وركبت طول الطريق لبيتي. نصيحة؛ متجربش أبدا تسرع لما يكون معاك واحد نص واعي ومضروب على الموتوسيكل.
خليني أقول، ما أعتقدش آدم هيخليني أسوق تاني قريب بعد اللي مر بيه.
بحلول ما وصلنا بيتي، كانت الساعة 4 العصر. نزلت من الموتوسيكل، وأخدت 10 دقايق عصيبة عشان أساعد آدم ينزل، و 15 دقيقة تاني عشان أخيرا أقعده على الكنبة وأنا بدور في البيت على شنطة الإسعافات الأولية عشان أداوي جروحه. جريت على السلم على أوضتي وفتشت الأدراج عليها. أخيرا لقيت الصندوق الصغير ورجعت بسرعة على السلم. وصلت لغرفة المعيشة حيث كان آدم منبطح وعينيه مغمضين. ركعت على ركبتي جنب الكنبة، على الأرضية المكسية بالسجاد واتزنقت في المساحة بين الكنبة وطاولة القهوة.
إحدى عينيه بدأت تتورم، وقدرت أحس بالذنب بيطفح. من العدم، إيده طلعت ومسكت إيدي، بتمرر على مفاصل أصابعي.
"كله تمام، كيسي. مش غلطتك،" سكتني، وربت على خدودي بظهر إيده بابتسامة صغيرة على وشه، بيحاول ما يشدش الجرح اللي في شفايفه.
هزيت راسي، "أنت شفتي حالتك إيه؟ أنت مضروب، ولا تحاول تنكر إنه مش بسببي. إحنا الاتنين عارفين إن سونيا هي السبب. هي اللي رتبت كل ده عشان هي شاكة إني أعرف أتخانق."
ضحك بهدوء بس اتوجع بعد كده، وده خلاني أتخض. إيدي طارت بسرعة على شنطة الإسعافات الأولية الصغيرة وفتحتها بسرعة، وأخدت الشاش والمسكنات وجميع أنواع المراهم. بسرعة بدأت أشتغل عشان أداويه، ولسوء الحظ بالنسبة لي، كان لازم يقلع قميصه عشان أقدر أفحص الجروح اللي في جذعه وظهره.
حاولت أخلي الحمرة قليلة قدر الإمكان، وفضلت غير مبالية، بس مين اللي بضحك على مين. ما فيش طريقة أقدر أعملها لما كان قاعد هناك، أسود وأزرق بس لسه جذاب بشكل لا يمكن إنكاره.
"بس اسكتي يا ست. أنا كويس، مجرد كدمات،" قبل ما أقدر أقاطعه وأقوله إيه مدى عدم دقته، كمل كلامه، ما خلانيش أقطع عليه.
"إحنا بنشتبه إنها سونيا. ما عندناش دليل إنها عملت كده عشان هي كانت عايزة تتأكد من شكوكها، رغم إنها ألمحت. ومع ذلك، الحقيقة بتقول إنك بأي حال مش مسؤول عن اللي حصل لي. يبقى خلاص بطلي تلومي نفسك-"
لما أخيرا زهقت من محاضرته المملة، عملت أغرب حاجة، أكتر حاجة مش شبه كيسي تعملها؛ بصيت في محجر عينيه الخضرا الداكنة، ومسكت فكه بهدوء وبسته.