الفصل 181
«مادي...»
«ليه بتعمل كده؟» سألت مادي قبل ما أقدر أقول أي حاجة تانية.
عضيت لساني، وحافظت على سكوتي.
«ليه بتعمل كده؟» كررت السؤال لما ما جاوبتش.
فكرت في الموضوع طول الليل ووصلت لاستنتاج إنه الأحسن لمادي إنها تبعد عني. ما كنتش عايز أرجع أعاني من القلق والرعب اللي عشتهم امبارح بالليل لما أدركت إن كيسي ممكن ما تكونش بأمان. ما كنتش عايز أحس بالإحساس ده تاني بسبب شخص تاني.
في الوقت الحالي، كل ما قل عدد الناس اللي حواليا، كان أحسن.
غالباً ما يعرفوش عن مادي لحد دلوقتي، ولازم أحافظ على الوضع ده.
«الدراسة هتبدأ تاني، ارجعي المدرسة.» قلتها ببساطة.
ما كنتش عايزنا الاتنين نتشاف بالشكل ده في العلن. الإحساس ده خلاني ضعيف، كأن حد بيتفرج علينا من مكان ما.
«ما تهربش من أسئلتي، براي. اشرح فوراً، إيه اللي بتعمله وانت بتبحث عن زعيم عصابة مافيا؟» طالبت مادي.
خليت تعبير وشي بدون أي مشاعر وأنا ببص قدامي بدل عينيها الغاضبة.
«ده مش شغلك.» رديت ببرود على قد ما أقدر.
تعبير الصدمة اللي على وشها جرحني. كنت عايز أحضنها وأفضفض لها،
كنت عايز أقولها قد ايه خايف ساعتها وفي نفس اللحظة.
قبضت إيدي في شكل قبضة وحبست نفسي وأنا مستمر في تمثيلي.
لازم أحافظ عليها آمنة.
هزت مادي راسها، ولاحظت إنها ما علقتش على كلامي على الرغم من نظرة الحزن في عينيها.
«هل أنت مدرك اللي عملته؟ دي مافيا اللي بنتكلم عليها هنا، براي. هل أنت صاحي في وعيك دلوقتي؟» سألت، وهي بتبصلي عشان تشوف أي علامات تأكد إنني فقدت عقلي.
«أنا عارف أنا بعمل إيه، يا ماد. ده مالوش علاقة بيكي فابعدي عن الموضوع.» صرخت عليها، وكنت مش عايزها تستمر في التدخل.
ندمت فوراً على لهجتي الحادة لما قفلت مادي عينيها ورجعت فتحتهم، مبينة إنهم أصبحوا لامعين.
«أتمنى بجد إنك عارف أنت بتعمل إيه.» قالت قبل ما تلف وتجري على المبنى.
اتفرجت على ظهرها وهو بيختفي ورا أبواب المدرسة واتسندت على العربية اللي جنبي، وسمحت لها إنها تتحمل وزني وأنا برمي قناعي.
مش عارف أنا بعمل إيه.
بتعلق بقشة، وبتفضل تفلت من صوابعي.
دفنت وشي في إيدي وحاولت أتذكر اللي باقي مني قبل ما أرجع أعدل نفسي وأدخل المدرسة عشان أحضر الحصة.
لازم أعدي باقي اليوم ده عشان أتجنب إثارة أي شكوك تجاه كيسي.
كل اللي أقدر أعمله هو إني أتمنى إن مادي ما تجريش لكيسي وتنبهها.
فتحت الرسالة اللي بعتهالي جاكس، وأخفيت تليفوني تحت المكتب بينما المدرس بيكمل شرحه.
الليلة الساعة 9.
حاولت أقنع نفسي إني بعمل الصح. الوزن الثقيل اللي استقر على صدري صعب عليا أتنفس وحسيت إني مختنق.
رجعت تليفوني في جيبي، وخفضت راسي وقفلت عيني، وحاولت أصفّي ذهني وأركز على اللي المدرس بيقوله.
على الرغم من إن محاولاتي كانت بلا جدوى، قدرت أعدي باقي الحصة وكنت أول واحد طلع من الباب. كنت في أمس الحاجة للهوا النقي.
مشيت لعربيتي عشان استنى كيسي تطلع من الحصة، وتجنبت بحر الطلاب اللي خرجوا من حصصهم ودخلوا القاعات.
«أهلًا.»
رفعت راسي ودرت وشي عشان أشوف كيسي وهي ماشية ناحيتي، وهي بتلوح بإيديها وإيدها التانية ماسكة شوية ملفات.
«مافيش تدريب النهارده؟» سألت، وهي بتفتح باب العربية.
مشيت للناحية التانية من العربية وفتحت باب السواق.
«لأ، الكوتش تعبان النهاردة.» رديت ببساطة.
لما استقريت ورا الدركسيون، وأنا بربط حزام الأمان، بصتلي كيسي بطريقة غريبة.
«怎么了؟ (إيه اللي فيك؟)» سألتني.
«ها؟» درت وشي ناحيتها. شفتي تعبير القلق على وشها بسبب نظرتي الشاردة، واجبرت نفسي أبتسم. «مافيش حاجة.»
حولتي عيني عن الطريق اللي قدامنا، وشغلت محرك العربية. قدرت أحس بعيون كيسي بتراقبني، بس قررت إن تجنب التواصل البصري هيكون أحسن في الوقت الحالي. عيوب إننا كبرنا مع بعض هي إنك بتكتسب القدرة على قراءة بعضنا زي الكتاب المفتوح.
نظرة واحدة ليا، وهي بتعرف إن فيه حاجة غلط.
«هطلع بالليل مع شوية أصحاب. هتكوني بخير لوحدك؟» سألتها.
«إيه رأيك إني كبيرة في السن؟ مش 3 سنين، هكون بخير.» سخرت، وهي بتظبط التكييف.
ضحكت بخفة، «هتفضلي طول عمرك طفلة بالنسبالي، يا بنت اللذين.»
قلبت عينيها عليا وبدأت تعبث بمحطة الراديو في العربية.
أغنية قديمة اشتغلت في الراديو وبدأت كيسي تغني زي المجنونة، وهي بتضربني بخفة عشان انضم لكاراوكي العربية المصغر.
ابتسامة صغيرة ظهرت على شفايفي وأنا بدأت أغني معاها. الوزن كان لسة موجود، وبيعمل كمرساة ثقيلة بتهدد إنها تسحب قلبي لقعر معدتي. بس في الوقت الحالي، الإحساس بالخنقة خف وأنا بقدّم عرض لكيسي عشان تشوفه.
زي ما بيقولوا، اتصنع لغاية ما تنجح.
أول ما وصلنا البيت، راحت كيسي أوضتها وأنا رحت أوضتي عشان أستحم وأغيّر هدومي.
لبست لبس بسيط؛ بلوزة هودي وجينز غامقين.
قبل 9 بساعة، قلت لكيسي إني همشي وخرجت من الباب، وأخدت العجلة بدل العربية.
حفظت طريق العنوان اللي بعته جاكس وكنت هناك قبل ميعادنا المحدد بـ 15 دقيقة. العنوان كان في الناحية التانية من المدينة.
ركنت العجلة قريب، مع شوية عجل تانيين كانوا مركونين على الشارع ومشيت مسافة قصيرة للعنوان اللي بعته جاكس.
بما إنه لسة فيه 15 دقيقة قبل 9، استنيت جنب الباب لما جاكس يظهر. كانت 15 دقيقة طويلة بشكل مؤلم. الخوف والقلق اللي بيجري فيا خلوا ضميري يصرخ فيا إني أرجع وأهرب، وأسيب المكان.
طلعت تليفوني عشان أتأكد من الوقت. لما الساعة اللي على شاشة تليفوني ضربت 9، كنت على وشك إني أرجع وأدق الجرس أو أخبط بس صوت الباب وهو بيفتح جه الأول قبل ما إيد تمسك ذراعي وإيد تانية تغطي فمي، وبتشدني لورا.
يا دوب كان عندي وقت إني أعالج اللي بيحصل، ناهيك عن إني أصرخ وأطلب المساعدة.
كل حاجة كانت عبارة عن مجموعة إيدين بتمسكني وبتشدني لمكان ما وصوت احتجاجاتي بيخفت بسبب الإيد اللي مغطية فمي.
المساحة اللي جوه المبنى كانت ضلمة أوي عشان أشوف أي حاجة عشان عيني ما اديتش وقت كافي عشان تتكيف مع قلة الضوء لسة.
أول حاجة عرفتها، إني اتجبرت أقعد على كرسي خشن وبارد في نص أوضة متعفنة.
إيدين مسكوني وأيدين مربوطة حوالين جسمي وربطوني في الكرسي.
حاربت ضد اللي ماسكيني، وحاولت أتحرر.
«وقفوا قتال!» صوت جاكس وصل فجأة لوداني. كأنه كان في مكان ما جنبي أو ورايا.
«ليه بتربطني؟» تمتمت بينما توقفت عن مقاومتي.
«دي إجراءات السلامة. ما نقدرش نخليك تعمل أي حاجة غبية.»
أطلقت تنهيدة بينما توقفت عن القتال تماماً.
«الريس جاي.» قال واحد من الرجالة بينما جاكس خلص ربطي.
ظهرت صورة ظل على الباب وكزيت عيني في الضلمة عشان أشوف الشخص بوضوح أكتر.
أكيد كانت هيئة راجل.
«اعتذروا عن الترحيب القاسي. حصلنا على تجارب سيئة مع ناس اعتبرناهم ضيوف واضطرينا نستخدم الطريقة دي بعد ما اتعلمنا من تجاربنا السابقة.» صوته كان عميق بس سلس، زي رجل الأعمال.
بعد شوية، عيني بدأت تتكيف مع الضلمة أحسن وأخيراً قدرت أميّز شوية من ملامح الراجل، بما فيه الكفاية عشان أحدد إنه غالباً في أوائل أو منتصف الأربعينات.
«خليني أبدأ بالتعريف. أنا كوينتن يلثون، أنا اللي بقود عرض السيرك ده.» قدرت أميّز ابتسامته من صوته.
عبست، وأنا بشد في الحبل اللي رابطني. الحبل كان بيعض في جلدني وماقدرتش أمنع نفسي من إني أنظر لجاكس. كنت متأكد 90% إنه عمل كده بقصد.
«براينت جونسون.» عرفت نفسي ببساطة في نبرة مقطوعة.
«يسعدني، يا سيد جونسون.» ابتسم كوينتن.
أظهرت له ابتسامة كئيبة، ولسة بضغط على أسناني بسبب الغضب اللي كنت بحسه كل ما طولت الفترة اللي أنا مربوط فيها في الكرسي.
«جاكس قال لي إنك عايز تقابل؟» سأل كوينتن.
ثانية من التردد الخفيف مرت علي قبل ما أومئ.
«عايز أطلب مساعدة.» قلت له.
«اكمل.» حث، وهو ماشي بهدوء ناحيتي ووقف قدام الكرسي اللي أنا قاعد عليه بينما هو لسة بيحط مسافة محترمة بينا.
«اتورطت مع شوية تجار ديون ولازم أتخلص منهم.» قلت، وأنا بعطي النسخة البسيطة من قصتي.
تنهد كوينتن، وهز راسه. «كان المفروض تعرف أحسن من إنك تستلف فلوس من الفئران المكارة دول.»
«ما استلفتش منهم فلوس.»
رفع كوينتن حواجبه في سؤال، «إذًا؟»
«أبو صاحبي استلف منهم فلوس، وأنا مسكتهم وهم بيضربوا صاحبي عشان ياخدوا فلوسهم فرجعت ودخلت وطلعت صاحبي.»
أطلق كوينتن صوت استهزاء بشع، «طيب ده أغبى أكتر من إنك تاخد منهم فلوس.»
قاومت الرغبة في إنني أقلب عيني.
«طيب، أنت ضربتهم عشان تطلع صاحبك مرة، ليه ما تفضلش تعمل كده؟» سأل كوينتن.
«هما يعرفوا أنا ساكن فين. عندي أخت صغيرة لازم أحميها بس مستحيل أكون جنبها 24 ساعة في اليوم. محتاج مساعدتك بس عشان أخوفهم، على الأقل بما فيه الكفاية عشان أحافظ على أختي آمنة.» قلت لهم، ونبرتي بتهدأ عشان أبين لهم إني بجد بطلب المساعدة.
ظل كوينتن صامتاً شوية وقدرت أسمع ضربات قلبي في وداني وأنا بستنى قراره.
«أنت عارف إن المافيا عمرها ما بتدي أي حاجة من غير ما تتوقع حاجة في المقابل؟» سأل كوينتن.
ما كنتش أعرف إن الوزن اللي على صدري ممكن يزيد عن كده لغاية ما حسيت بيه.
أومأت ببطء. المافيا ليها سمعة سيئة لسبب ما.
«تمام. توفير الحماية ليك ولأختك الصغيرة من الفئران دول مش مشكلة فأعتقد إننا عملنا صفقة؟» سأل كوينتن، وهو بيعرض إيده عشان أسلم عليه.
كان عليا أكبح رغبتي في إني أستهزئ وألفت انتباهه لحالتي المربوط فيها.
ضحك كوينتن، «صح، نسيت ده.»
«يا شباب، أعتقد إن ده هادي بما فيه الكفاية عشان نفك الربط.» صفق كوينتن بإيده وأشار لرجاله عشان يتخلصوا من الحبال اللي بتقيدني.
فك رجالة كوينتن الربط عني وقمت من الكرسي الجامد، وأنا بفرك جلدي الأحمر والمتشوه.
عرض كوينتن إيده تاني ليا بابتسامة. «أهلًا بك في حلقة السيرك، يا سيد جونسون.»
بصيت على إيد الشيطان لثانية قبل ما أجبر نفسي أمُد إيدي وأمسكها.
ودي كانت الطريقة اللي بعت بيها روحي للشيطان.