الفصل 22
كنت أعض على خدي من جوة وأنا مستمرة في الكلام، ومن غير ما أحس، مديت يدي عشان أشيل خصلات شعري اللي نازلة على وشي، بس اكتشفتي إن خدي مبلول، مبلول من الدموع اللي كانت خلاص بتنزل من وشي.
"لما الحادثة حصلت، كنت نايمة. وهو هزني عشان يصحيني وينبهني، بس قبل ما أنام، كنا بنختلف مين السواق الأحسن. هو طبعًا كان السواق الأحسن، بس شكله كان عايز يثبت نفسه، وفعلاً عملها." ابتسامتي كانت باردة وأنا بتذكر الأحداث اللي حصلت في الليلة دي.
"أثبت نفسه. كان ممكن يخرج من الحادثة دي سليم، بس بدل ده، حط سلامتي أولًا قبل سلامته، وده أخذ حياته." غمضت عيني وأنا بلف إيدي حوالين نفسي، وحبست الشهقات.
"لما الحادثة حصلت، هو لف العربية بعيد عن الشاحنة، ورمى جسمه فوقي عشان يحميني من الحادثة." جسمي كان بيرتعش وأنا بحاول أحبس رغبتي في إني أصرخ وأضرب نفسي عشان ده.
كان لازم أتنفس نفس عميق عشان أهدى، وحسيت بإيدين بتلف حوالين جسمي، ودفء بيغمرني وأنا بتحضن.
"مات عشان يحميني," شهقت وأنا بفكر في أخويا الغالي.
"ده كان هيكون اللي هو عايزه. مات بطل. مات وهو بيحمي أخته من الأذى. لو كنت مكانه وأختي الصغيرة في خطر، كنت هاعمل نفس الشيء من غير ما أفكر مرتين. لو كان عنده اختيار إزاي يموت، أنا متأكد إن مش هايختار أي شيء تاني. بيحبك، يا كايس. ده أهم شيء. حبك كفاية عشان يضحي بحياته عشانك." آدم طمني وهو بيهمس الكلام ده عشان يهديني.
المضحك، إني بكيت أكتر، ودرت راسي وبكيت في قميصه، وقبلت العزاء اللي كان بيقدمه لي.
"جثته- بعد الحادثة، شفتي جثته، دم وضرب، مش ممكن تتصلح. مش عايزاه يضحي بحياته عشاني، عايزاه يكون عايش ويكون موجود عشاني لما أحتاجه عشان يهديني، عشان يتخانق معايا، عشان يوبخني على عاداتي السيئة في الشتيمة. عايزاه يكون هنا معايا."
كنت عارفة إن اللي بقوله ده أناني، بس آدم ما علقش وأنا بصب كل شيء. قعد هناك، وهو مثبت إيديه حواليا، وبيدلك على ضهري دوائر مهدئة، وحط ذقنه على قمة راسي.
في النهاية، بطلت أبكي، ورغم إن عيني كانت وارمة وحمرا، آدم ابتسم لي، ودخل خصلة شعر سائبة ورا ودني. إيده نزلت على خدي ولمسته، وهو لسه بيبص في عيني، وأنا مثبتة نظري عليه.
ثانية قبل كده، كان على بعد 5 بوصات. ثانية بعد كده، كان على بعد بوصة. فوقت من اللي كنت فيه، ورجعت راسي لورا. زحفت على مكاني على الكنبة، وأنا محافظة على مسافة آمنة. كنت حاسة إن خدي بيسخن، وشي محمر وأنا بفكر في إزاي كانت وشوشنا قريبة، وحلفت في سري لنفسي إني مستحيل أسمح بده يحصل تاني.
إيد مسكت إيدي وسحبتني بعيد عن الكنبة ووقفتني على رجلي. بصيت لفوق وقابلت ابتسامة آدم الدافئة. "هيا بينا نروح مكان ما."
بصيت له بتعجب، "تمام..." اتعلقت، وسمحت له إنه يوجهني لدراجته، وتبعته بره المخزن. أخذ الدراجة معاه وركب.
ربطت الخوذة، وحطيت رجلي على الدراجة وربطت رجلي على مسند القدم. مسكت في جاكيت آدم بينما الدراجة اندفعت للأمام.
وصلنا لمرج بعد 15 دقيقة من الركوب، وعشر دقائق تانية من المشي في غابة صغيرة. أعجبتني المناظر اللي قدامي. كان كأني دخلت في كتاب حكايات خرافية. كل شيء كان جميل لدرجة إنه مافيش أثر تركه الإنسان.
الوديان تحت التلال والمرج الأخضر كانت خلابة. الزهور رفرفت وتمايلت بينما الريح مرت وسلمت عليها.
بصيت على المنظر اللي قدامي، منبهرة بسحر الطبيعة نفسها؛ عباد الشمس البيضاء طارت، وهي بتركب على الريح. فوقت من اللي كنت فيه في اللحظة اللي أدركت فيها إني باخد خطوة لقدام وفقدت توازني بينما إيدي بتتلوي. جسمي ضرب الأرض المكسرة بس عشان أتدحرج على جانب التل. ضحكات آدم بتيجي من ورايا.
التدحرج في النهاية وقف، وحضنت راسي في إيدي، بحاول أوقف الدنيا من إنها تدور حواليا. هزيت راسي، بحاول أتخلص من الدوخة، وبصيت ورا عشان أشوف آدم بيمشي في اتجاهي بهدوء.
مرة تانية أخذت الوقت عشان أعجب بمحيطي، وأنا برجع على العشب. حسيت بشفرات العشب بتداعب جلدي، وشعري الغامق مفرود تحتي. السما كانت زرقا، وأنا بشوف السحاب بيمر، بحاول أعرف الشكل اللي ممكن يشبهوه.
سمعت صوت ضربة خفيفة جنبي، ودرت راسي عشان آخد لمحة سريعة من آدم، وهو بيتكىء على إيديه عشان يبص على السما.
سرب من الطيور طاروا من جنبنا، وهم بيصيحوا على بعض، وفوق رفرفة جناحتهم، سمعته بيبدأ يتكلم.
"لقيت المكان ده من أسبوع لما كنت بحاول أروق على نفسي."
رفعت حواجبي في كلامه ودرت له. شيلت نظري من السما ووقفت عقلي من تقدير الجمال اللي هو الأم اللي بتدينا الحياة.
عبست لما لاحظت أخيرًا الحقائب العميقة تحت عينيه، وإزاي شعره كان طالع في كل مكان. عينيه كانت واسعة بنظرة وحشية فيهم.
"إيه اللي حصل، يا آدم؟" القلق كان في صوتي، واتصدمت من إزاي كنت مهتمة.
"أمي," وقف، وكأنه بيوجعه حتى إنه يفكر فيها. "تشخصت بفشل كلوي، والحالة المالية لعيلتي مش في أحسن أحوالها دلوقتي," همس في ضيق، وعرفت على طول إن الموضوع سيء.
ما شفتيش أمي كويس اليوم التاني، بس لاحظت شيء غريب فيها، وإزاي كانت شاحبة. كان شيء رائع إزاي كانت سعيدة حتى لما تشخصت بفشل كلوي.
في غمضة عين، عرفت إني كبرت نوع من الاحترام للمرأة دي. هي قوية بجد.
فاجأت نفسي وآدم في اللي عملته بعد كده عشان بصدق ما خططت إني أعمله. كان فعل تلقائي، بس لما عملته، حسيت إن قلبي بيخفق.
حضنته من غير تردد.
كانت حركة جريئة بتيجي من واحدة زيي، بس ما قدرتش أقول إني ندمت إني عملتها. كنت بأواسي صديق ولا شيء أكتر.
آدم توتر تحت لمستي، بس في النهاية عضلاته استرخت، وجسمه كله انهار، وهو بيعتمد على شكلي الصغير عشان يدعمه.
"كل شيء هيبقى تمام. هيبقى تمام." همست.
هادور على شيء عشان أساعدك بيه، يا آدم. أوعدك.