الفصل 201
قفلت الباب الأمامي وقفّلته قبل ما أخلع جزمي. كيسي كانت منسدحة على كنبة غرفة المعيشة في بجامتها، مغطية بطبقة من البطانية. شعرها كان مربوط في كعكة فوضوية، رأسها مستند على مخدة مسنودة على مسند الذراع وإيديها ماسكة ملعقة وعلبة آيس كريم. التلفزيون كان يعرض حلقة من 'الخلاص' على نتفليكس.
لما سمعتني أتمشى لغرفة المعيشة، رفعت راسها ومدت رقبتها عشان تشوفني. "رجعتي بدري," علقت، وهي تبص على الوقت المعروض على شاشة تليفونها.
الساعة كانت 6 بس، يعني تقنيًا بدري. بعد ما قعدت كام ساعة في الحديقة، نتفرج على الغروب مع بعض، قولت لمادي اللي كنت مخططاله وهي وافقت من غير أي اعتراضات أو شكاوي. كنت محظوظة عشان عندي حبيبة داعمة ومتفهمة.
"أيوه، جهزي نفسك. هاخدك برا." خطفت علبة الآيس كريم والملعقة منها، وأخدت مغرفة وحطيتها في فمي.
إيدين كيسي فضلوا ممدودين ومفتوحين، فمها مفتوح بتبصلي وأنا باكل الحلو بتاعها. اتأففت وقعدت، ووقفت العرض على التلفزيون وحطت إيدينها.
"يلا، هنخرج." كررت تاني، وأنا عارفة كويس أنها غالبا نسيت كل اللي قولته بمجرد ما أخدت علبة الآيس كريم منها، وكنت صح.
نظرتها المتلخبطة قابلت نظرتي المتوقعة. "إيه؟ فين؟"
هزيت كتفي، ورحت للمطبخ عشان أحط العلبة في الفريزر. "بس تأكدي تلبسي حاجة دافية," قولت من ورا كتفي وأنا ماشي.
بينما كيسي راحت لغرفتها عشان تغير لبسها لحاجة أنسب، رحت لغرفتي وأخدت الجاكيت بتاعي وكمان كام بطانية، لو احتجنا طبقات زيادة.
استنيتها في العربية، وأنا عارفة أنها هتعرف صوت الموتور لما يشتغل من جوه. لما دخلت في كرسي الراكب، سألت نفس السؤال اللي هتسأله على طول الرحلة، "رايحين فين؟"
ببساطة عليت صوت الراديو عشان أغرق أسئلتها اللي مش بتخلص - مش أنها نفعت - وببساطة قولتلها تستنى لما نوصل هناك أو أنها هتعرف هنروح فين لما نوصل.
أخدنا سواقة ساعة عشان نوصل لوجهتنا بس كنت عارفة أنها تستاهل، بس عشان نهرب من أضواء المدينة والصراخ من المرور، بعيد عن همومنا ومشاكلنا الدنيوية.
بمجرد ما ركنت العربية، نزلت ومعايا البطانيات في إيدي وكيسي تبعتني. طلعت على كبوت العربية ولما كيسي قلدتني، قعدت على المساحة الفاضية جنبي، اديتها بطانية.
قعدنا كتف في كتف على كبوت العربية، متكتفين عشان نحافظ على الدفا، ملفوفين في جاكيتات والبطانيات اللي جبتها معانا. رفعت ركبي وحطيتها على صدري، وأنا لافة إيدي حواليها.
اتفرجت على الأمواج وهي بتتدحرج ناحية الشاطئ قبل ما تنكسر وتتحول لرغوة بيضا، تغرق في الرمل. الرمل كان بينزل على خط الساحل، ينجرف في البحر ويستقر كجزء من قاع البحر لما المية اللي جت كالموجة اتسحبت تاني في البحر.
هديرها ملا ودني وغرقني وأنا حاطة راسي على دراعي وغمضت عيني، بتنفس الهوا اللي ريحته زي المحيط. كان ريحة قوية ومألوفة، حسيت إني ممكن أدوق ملوحة الهوا.
الهوا الساقع اللي بيقرص اللي بيطير في وشي صحاني وبعت قشعريرة في ضهري، وده خلاني أشد البطانية عليا أكتر.
"ليه إحنا هنا؟" سألت كيسي.
هزيت كتفي، "عايز آخدك برا. ده عيد الحب، ده أقل حاجة ممكن أخ يعملها ل... أختها السنجل."
كيسي ابتسمت، وطلعت هوا من مناخيرها زي ما بتعمل دايما لما تكون عايزة تعترف ببلاوي بس بتكون كسولة أنها تعمل تعليق لئيم.
عكست ابتسامتها قبل ما أدور للبحر تاني، بتبص في الأفق المظلم اللي قدامنا. ما كنتش عارفة ليه حسيت إني أجي بينا هنا بس لو ما كانش الهوا الساقع اللي كنت متوقعاه لما حطيت بطانيات لينا، كنت فضلت كده لحد ما الشمس تطلع.
ما كانش فيه كتير نشوفه عشان كل حاجة كانت ضلمة. القمر كان مستخبي ورا كام سحابة سودا وغياب نوره بس خلى البحر شكله زي حبر أسود، كأنه بنبص في عقيق أسود. الحاجة الوحيدة اللي كنا بنشوفها كانت كام قمع عايم بيطلع وينزل مع الأمواج في نص البحر. الطلا بتاعها كان في تناقض صارخ مع الضلمة حواليها، بيخليها تبرز أكتر.
ما اهتميتش، على أي حال. عدم الرؤية بس علي حواسي التانية. بس إحساس بالفراغ بدأ يكبر في صدري كل ما طولت في البص في المية الغامقة في المسافة البعيدة فغيرت بصري وركزت على الأمواج اللي بتتدحرج على الشاطئ بدلا من ذلك.
"مش بتشفقي على الشاطئ؟" تنهدت كيسي، وهي بتمايل راسها وبتحط خدها على دراعها على ركبها المضمومة.
دورت راسي عشان أبصلها، "هم؟"
"كل يوم، كل كام دقيقة الأمواج بتخبط فيه ولما المية بتتسحب تاني في البحر، الرمل بتاعه بيتشال، طبقة بطبقة، جزء منه بيتاخد منه." اتكلمت بصوت كئيب.
دورت عشان أبص على الشاطئ واتفرج على الأمواج وهي بتتدحرج عشان أخد كلام كيسي في اعتباري وأنا بتفرج عليه بيحصل.
"دي بتفكرني شوية بالحياة، تعرفي؟" قالت. "عناد الناس زي الأمواج، بيهاجموكي، بيفرضوا رأيهم عليكي، بيحطوا عليكي ضغط. بياثرو عليكي."
"وهل إحنا الشاطئ؟" سألتها.
هزت كتفها في ردها واتكلمت بصوتها الناعم، "أوقات بنكون الشاطئ وأوقات بنكون الأمواج. إحنا بشر، في النهاية. ما أعتقدش إنه ممكن إنك متأثريش على الناس اللي حواليكي بشكل ما، حتى لو مش قصدك أوقات."
لا إراديا قربت منها أكتر عشان أسمعها أحسن، مش عايزة أكسر النشوة الكئيبة اللي هي فيها. ممكن ما أقدرش أبقى درعها المرة دي، بس أقل حاجة ممكن أعملها إني أبقى كتفها اللي تسند عليه وتسمع كلامها؛ أفكارها اللي غالبا بتكون عالية وصاخبة زي الأمواج اللي بتعوي.
"دي بس مسألة إذا كنا هنسيبهم يشيلوا أجزاء مننا باستمرار؛ ياخدوا جزء مننا بين الحين والآخر، يشكلونا زي ما هما عايزين."
فضلت ساكتة، وبخلي كلامها يغرق. حسيت بيه في قلبي، في صميمي، الألم المتبلد، الشوق في صوتها.
بعد كام ثانية من تقليب كلامها مرة ومرتين في دماغي، بفكر في اللي قالته وأنا عيني لازقة على حركة الأمواج والمية اللي بتنزل على الشاطئ والرمل اللي بيتسحب في البحر، جتلي فكرة وحسيت بيها بتزحف في طريقها لقلبي قبل ما تلف حواليه زي كرمة برية. بس التضييق اللي حسيت بيه في قلبي لما الكرمة ضيقت قبضتها عليه ما خلانيش أحس إني مكتومة أو مخنوقة. بدلا من ذلك، حسيت أكتر زي ضغطة لطيفة بتحافظ على أجزاء من قلبي من أنها تتحطم لملايين القطع. حسيت زي الكرمة بتحميني إني مانهارش.
"بشوفها بشكل مختلف." صوتي كان ناعم، مغرق بصوت الأمواج اللي بتخبط في البحر. "الأمواج والشاطئ، أقصد."
"الأمواج بتفضل تخبط في الشاطئ، بتضربه، بس الشاطئ ما بيستسلمش. بيفضل واقف هناك، مكانه، ما بيخافش."
حسيت كيسي بتديرلي في صمت وأنا بفضل أتكلم بأفكاري بصوت عالي، بأمل إني أغرس شوية روح فيها؛ بأمل إن اللي بقوله دلوقتي بيساعدها تحس بحاجة، أي حاجة.
"بعد ما بتغرق الشاطئ بميتها، البحر بيطلب أجزاء منه مع كل شد، كل جذبة، من نفس المية اللي بتستخدمها عشان تضرب الشاطئ، ومع ذلك، الشاطئ لسه بيدي. ما بيحملش ضغينة، بيقف مكانه تحت قوة الأمواج المتكسرة بس لسه بيدي أجزاء من نفسه عشان يبني قاع البحر."
نفست نفس عميق، جسمي بدأ يرتعش تحت كل طبقات الهدوم اللي بتخليني دافية.
"بتمنى أبقى زي الشاطئ اللي ما بيفسدش واللي بيدي." نفسي طلع كأنه بخار وأنا بتكلم في البرد.
اللي كنت بقوله غالبا ما كانش ليه معنى. أعرف لو كنت هسمع تسجيلة ليه، غالبا ما كانش هيبقى ليه معنى لوداني.
بس كيسي ما قالتش أي حاجة، بدلا من ذلك، حولت انتباهها وثبتت عينيها على الشاطئ حيث علامة المية الخفيفة بين الرمل الجاف، اللي ما اتلمسش، والرمل المائل المبلول.
"بس إزاي تعرفي إنه بيدي أجزاءه بمزاجه ومش مجبر؟" همهمت وهي بتفكر.
واجهت الاتجاه اللي بتبص فيه وبعناية أخدت في اعتباري اللي قالته. حسيت إني بكون صادقة أكتر كل ما فكرت في سؤالها قبل ما أجاوبها بأمانة. "ما عنديش أي سبب منطقي ورا ده، بس أؤمن إن لما بتواجهي غموض زي ده، لازم تختاري تفتكري الجيد. ده بيدي أمل. بنتهرب من التفكير في الاحتمالات المدمرة زي إزاي البحر ممكن يكون كسر الشاطئ بضربه وغرقه كتير وخلاه يخضع لإرادته، مجبره إنه يدي أجزاء من نفسه عشان يبني قاع البحر. عشان ساعتها، هيكون مصير حزين جدا لدرجة إنا حتى نفهمه."
زي ما افترضت إن كيسي بخير، إنها ما كانتش بتهدد إنها تنكسر تحت ضغط الأصحاب اللي كانت بتواجههم؛ إني كنت بخير؛ عشان التفكير بغير كده مش هيساعدني أتحرك لقدام، ده بس هيغرقني في حفرة من الاكتئاب ملهاش نهاية.
كيسي ما اتكلمتش بعد كده وببساطة قعدنا في صمت، مستمتعين بالصحبة الهادية اللي كنا بنقدمها لبعض.
ما كنتش هسأل أختي ليه ما قالتليش إن سونيا اللي كانت زنقتها في حفلة البيت دي، ما قولت لهاش تفتح قلبها عن الضغط اللي غالبا كانت بتحس بيه، أو عن أي مشاكل تانية كانت مخبياها عن نفسها لحد دلوقتي، المشاعر اللي كانت بتكتمها. أعرف إنها ما قالتليش كل حاجة لسبب وما كنتش عايزة أحسسها إن محاولاتها إنها تخفي التفاصيل عني عشان ما أقلقش كانت بلا فائدة. كنت أعرف إنها كانت بتفكر في الحفلة، البنات اللي ضغطوا عليها عشان تروح. كنت أعرف إنها كانت بتتميل إنها تنهار وتسيب كل ده يروح بس حقيقة إنها ما عملتش كده، إنها لسه بتحاول تلم نفسها، ده بيبين إنها لسه ما استسلمتش وما كنتش عايزة تحس إنها مرت بكل المشاكل دي إنها بتحاول تحافظ على نفسها وما تنهار قدامي على الفاضي.
بس، لو فيه أي حاجة، كنت عايزة أمنعها من إنها تمشي في الحفرة اللي مالهاش نهاية للاكتئاب. عشان كده بعت صلاة صامتة لربنا إن اللي قولته يكون ليه معنى ليها.