الفصل 3
ما كانش سر إني كنت بجيب علامات كاملة في كل المواد في المدرسة، إلا طبعًا، الرياضيات. أنا مكروهة بسببها. بيخلوني أقعد لوحدي في كل مكان في المدرسة. كنت بدون أصدقاء، وبصراحة ما كنتش بمانع، يمكن حتى كنت بستمتع بده أحيانًا. شوية ناس كانوا بيتنمروا عليا، وشوية كانوا بيسيبوني في حالي، وقليل منهم كانوا بيسلموا عليا من غير ما يضربوني.
وعشان كده، لما طلعت أجري من الفصل ده ورايح على الحصة الثانية، القدر ما قدرش يمنع نفسه من إنه يحمل شوية ضغينة قديمة ضدي، وينسق جدول الولد الجديد مع جدولي. طبعًا هو اختار يقعد جنبي، مرة تانية. زهقني طول الحصة، والحمد لله بعد الحصتين دول، أخيرًا اتحررت من سيل الكلام اللي كان بيطلع منه.
العُصر جه في الآخر، وزي كل يوم، التنمر بدأ. "يا بت! ليه ما تعمليش فينا معروف وتخرجي من المدرسة دي؟"
وطيت راسي وما قلتش حاجة.
"ماذا عن أنك تخرس ويكون عندك حياة؟" صوت مزعج مألوف صرخ. أنا متأكدة إن ده ما كانش قصدي.
خليت راسي لتحت حتى لو مجموعة من الخطوات بدأت تتبعني. "ليه بتدافع عني؟ اخرس!" همست بهدوء له، لسه ما رفعتش راسي. وكأن عشان أجاوب على سؤالي/طلبي، صوت قاطع، مسك ذراعي، ضوافرها اللي متعوّدة على العناية بتغرز في جلد ساعدي.
"إيه اللي بتعمليه ده بإنك متعلقة بيه؟"
فضلت ساكتة، يمكن هي فهمت ده على إنه إني متجمدة تمامًا، لو كده كويس، بس الوخزة من إن ضوافرها بتغرز في دراعي بس بتزود ضيقي.
"بتتجاهليني، يا بت؟"
يا سلام، هي ما افتكرتش إني خايفة. المرة دي حاولت أعمل صوت أنين صغير عشان أحاول أتجنب أي مشاكل تانية. أنا كان عندي مشاكل كفاية عشان أشغل نفسي بيها طول حياتي. حسيت بغثيان لنفسي عشان حتى حاولت أخلي نفسي تبان ضعيفة؛ عار.
صفعة.
"ده هيعلمك درس."
حسيت بحرارة بتسخن خدي الشمال، وأخد مني كل حاجة عشان أسيطر على ضميري، ومن غير ما أعرف، صوابعي اتلوت لوحدها، وإيدي ارتجفت وأنا بحاول أمنع الرغبة إني أضربها ضرب مبرح.
"خلاص يا ماديستون!" اخرس يا جدع. بس اخرس.
هو ما فهمش الرسالة وفضل مكمل. "ده كان زيادة عن اللزوم! ما ينفعش تتمشي وتصفي الناس!". هو بيعمل مشهد. نفسي الداخلية سخرت بصوت غنائي. مش عمياء، يا أخي. أنا مش عمياء.
بينما ماديستون لفت عشان تبص عليه، أنا استغليت الفرصة دي وهربت من هنا. وأنا بجري، قدرت أسمع صرخات ماديستون، يمكن عشان الولد الجديد قال حاجة ما عجبتهاش.
"لا! ما تدافعش عنها! هي المنبوذة! هي ما تنتميش، وهي تستاهل أي حاجة تترمي عليها!"
هزيت راسي لما الجملة الأخيرة حاولت تتسلل لأفكاري. ده مش هيحصل هنا، في أي مكان إلا هنا. فضلت أجري لحد ما وصلت لساحة المدرسة الخلفية. قعدت على البنش اللي متبهدل، حطيت وشي بين إيدي ورجعت وشي كذا مرة. الجملة الأخيرة ضربت في الصميم، بس أنا رافضة أبين أي ضعف أكتر من اللازم.
بدأت أروح للأوقات دي اللي كنت بتخانق فيها مع الواد اللي دماغه حامية كل يوم الصبح على مين يستاهل وافل أكتر من التاني. أعتقد إن صفة العناد بتجري في العيلة. من غير وعي، ابتسامة صغيرة وضعيفة ظهرت على وشي، وحسيت بعيني بتدمع وأنا بشوف الواقع بيصطدم مرة تانية، بيبوظ الذاكرة الحلوة زي ما بيعمل دايما. عمري ما هقدر أعمل الذكريات دي، أو أرجع أعيشها بأي طريقة تاني أبدًا. مش لما الواد اللي عملت معاه الذكريات دي، ربنا ناداه.
وحشني ضحكته، ضحكه، والطريقة اللي كان بيهزر بيها معايا لما كنت بقضي وقت كتير على موبايلي.
"إيه اللي كانت بتتكلم فيه لما قالت إنك تستاهلي كل حاجة اترمت في طريقك؟"
تنهدت لما سمعت صوته، وكالعادة، خليت راسي لتحت، وسمحت لشعري يغطي وشي زي الستارة. ساعدني أفصل نفسي عن قسوة العالم الخارجي. ليه هو مش عايز يسيبني في حالي؟
"ولا حاجة، هي بس-" قطعت نفسي، مش عارفة أقول إيه. بغرق في الكراهية؟ أو كان حزن؟ بتنتقم مني لأني السبب في إن حبيبها مات في حادثة عربية؟
ده حقيقي، ماديستون كانت بنت لطيفة زمان؛ هي كانت بتواعد أخويا وكانت قريبة مني. لحد ما الليلة المشؤومة دي حصلت، وفقدت كل الصفات دي، انغمست في حزنها وخسارتها. هي بتلومني، وأنا حتى مش قادرة أكرهها على ده. حتى أنا بكره نفسي، ليه هي هتظهر أي مشاعر تانية تجاهي؟ فيه كلام كتير ممكن تستخدمه عشان توصف ماديستون، بس لما تعرف السبب الحقيقي اللي خلاها تتحول لقاسية القلب دي، ولا حاجة هتبان مناسبة.
"هي بس..؟"
"ولا حاجة، انسى."
بص لي باستغراب، بس ساب الموضوع. "طيب... شكلك وحيدة بشكل غريب." هو قال.
"أيوة، أنت ما بتكسبش أصدقاء كتير لما تكون مكروه من ملكة النحل اللي هنا؛ ده يمكن السبب اللي المفروض تخليك تسيبني أتضايق. امشي، اندمج مع الناس المشهورين. ما تبصليش البصة دي. أنا عارفة إنهم عرضوا عليك حاجات لحد دلوقتي."
أنا بس قدرت أتوقع إنه اتصدم من السكوت على سرعة تحول المحادثة، عشان أنا ما رفعتش راسي طول الوقت. "طيب، هقول إنها كانت محادثة لطيفة معاك، بس ساعتها هكون بكدب."
وقفت، حبست نفسي لحد ما أخرج من مدى السمع قبل ما أطلقه. كنت بتمنى أبص ورايا، بس ضربت نفسي على رأسي. ليه عايزة تبص؟ أنت ما تستحقيش الاهتمام. قضيت على كل نبتة أمل صغيرة اللي أزهرت، وروحت في طريقي للمبنى بعيوني الباردة المعتادة.
البنت الصغيرة دي اختفت، وفي مكانها، أنا اتولدت. لمعان الشقاوة اللي الناس عادة بتلاقيه لما بيبصوا في عينيا، خف في اللحظة اللي شوفت فيها جسد أخويا الحبيب المكسور في الليلة دي.
رأسه كان بينزف، يمكن اتفتح. افتكرت إني شوفت رجله اليمين في زاوية غريبة، وذراعه كان فيه جرح وحش، أفضل تخمين ليا إنه كان من شظايا الزجاج، بس ما كنتش متأكدة، افتكرت إني بشوف شكله المتهالك بيتحط بهدوء على نقالة، وقناع بيتحط على بقه من خلال عيون زجاجية. افتكرت إن الليلة كانت باردة، وإزاي قشعريرة الجسم ظهرت على كل جزء في جسمي، وإزاي القشعريرة دي نزلت في عمودي الفقري، وكأن ضميري كان عارف إنه مش هيقدر يستمر، بغض النظر عن قد إيه ما كنتش عايزة أصدق.
أخيرًا وليس آخرًا، افتكرت الفكرة الوحيدة اللي كانت بتدور في دماغي. هو على النقالة دي بسببي. أنا قتلت أخويا. المفروض كنت أنا، الشخص اللي كان المفروض يكون على النقالة دي، فاقد الوعي. بدلاً من ذلك، أخويا كان لازم يعاني من المصير ده. براينت ما كانش يستاهل.
أخدت نفس، بحاول أهدئ مجموعة الأعصاب والأفكار اللي كانت بتتسابق في دماغي. لما كنت متأكدة، إني مش قريبة من الانهيار، جهزت نفسي للي هيحصل لما أدخل المبنى.