الفصل 50
من المشاعل اللي كانت معلقة في الأعمدة اللي مزروعَة في الأرض في كل مكان، لـ مكبرات الصوت اللي بتزعق بالمزيكا الحية، لـ الصواني والأطباق الضخمة اللي فيها لحوم وخضروات لا تُحصى، الجو كله بقى حيوي ومثير أوي.
الليل اتمد على السما زي البطانية وعليه نجوم بتلمع، وده ساعد المشاعل إنها تنور المكان.
لحسن الحظ، مكنش برد زي الليلة اللي فاتت بسبب المشاعل الكتير الدافيّة والناس اللي كانت بترقص على المزيكا.
ضحكت أمل لما حد خبط فيها بالغلط وهي بترقص. البنت ابتسمت ابتسامة ساحرة وهي بتضحك بصوت عالي وسلمت على أمل، وأمل ردت لها السلام. البنت رجعت ترقص مع البنات التانيين اللي حواليها.
أخيرًا وصلت لـ طاولة المشروبات وصبّت لنفسها شوية نبيذ حلو وشوية نبيذ قوي لـ آيس، زي ما طلب بالظبط.
آيس كان قاعد على بنش تحت شجرة بلوط كبيرة، بيبص على الناس كلها عشان يدور على شخص معين.
هارلي.
رغم إنه لسه متعرف على هارلي لأول مرة، حس إنه ممكن يحس بالتهديد من الهالة بتاعته بس. كان فيه حاجة في هارلي، آيس مش قادر يحددها.
لسبب غريب، حس كأن هارلي بيكشف جزء صغير أوي من شكله الحقيقي. كأنه ممكن يكون مخبي 80% من اللي هو عليه فعلًا.
"بتدور عليا؟" ضحكت أمل وهي بتمايل راسها ناحية آيس، وده خلاه يغمض عينيه كام مرة وهو بيبتسم شوية. هي كمان ابتسمت ورَفعت كاسه. هو اخده منها بهدوء وشرب كام مرة، وهز راسه وهو بيذوق الطعم. "تمام أوي." ضحك لما هي ابتسمت.
"بعمل كده على طول." ضحكت وهي كمان اخدت رشفة من الكاس بتاعها. "هارلي دايما بيبعتني أجيب له المكسرات بتاعته." ضحكت. "المفضلة بتاعته صعبة أوي، ومش منصفة في عمايلها. كأن القوة بتخلص في النهاية وبتخلي الطعم خفيف وحلو، وقوي، ومر."
"هارلي عامل ازاي؟" سأل آيس، وتعبيره اتغير فجأة وهو بيبص على أمل. هي بصت على نبرة صوته المفاجئة اللي بقت جدية، وكادت تشهق لما شافت هو ازاي شكله جاد. تعبير في وشه خلاها تعرف إنه حاسس بحاجة غريبة.
"عايز تخليه حبيبك دلوقتي؟" ضحكت وهي بتشرب رشفة كبيرة، بس معرفتش تتجاهل نظرته الجادة. "هارلي هو هارلي بس."
"هو عامل ازاي؟" مظهرش كأنه بيسأل المرة دي. كأنه عايز إجابة مباشرة.
"طيب.... يعني..." عبست وهي بتبص حواليها بحرج. "عايز تعرف ايه بالظبط؟"
"ليه بحس إنه مخبي أكتر من اللي بيبينه؟" سأل آيس وهو بيعض على شفتيه السفلية وتنهد، وشرب رشفة تانية من مشروبه. "تاريخه عامل ازاي؟ يعني أهله، طفولته، أصحابه وهو كبير. كل ده."
"هارلي دايما كان عنده أصحاب." تنهدت وهي بتشبك دراعاتها على صدرها، وبتضغط على شفايفها وهي بتبص على السما. "رغم إنه كان عنده وقت صعب في تكوين الصداقات. تقريبا الكل كان عايز يكون معاه. الكل بيحب كاريزمته ونكته المضحكة. عشان كده انا كمان اتعلقت بيه. بقينا أحسن أصحاب عشان أهله وأهلي دايما كانوا أصحاب مقربين. هو دايما كان محاط بناس كتير بتبص له بإعجاب." ابتسمت وهي بتبص على النبيذ اللي في كاسها، وبدأت تتجهم شوية وهي بتفتكر صوت الماضي المشوش.
"في ايه؟" سأل آيس وهو بيبص على الهالة الكئيبة اللي طلعت منها فجأة. هي فجأة ضغطت على صوابعها جامد حوالين الكاس، وده خلا الجوانب تتكسر والنبيذ يتكب على ايديها كلها.
"كان فيه خناقة صغيرة ضد شوية بشر في وقت من الأوقات في الماضي." هزت راسها شوية وتنهدت وهي بتطلق صوابعها من الكاس وبتتفرج عليه وهو بيقع من إيديها. "استخدموا مسدسات لما حسوا بالتهديد، وعارفين انهم هيخسروا ضدنا لسبب غبي.... انتهى بيهم الأمر انهم يضربوا بدون تفكير، وعلشان كده أخويا فقد رجليه. رصاصة ضربت في عموده الفقري، بس لحسن الحظ مسببتش أضرار كبيرة. هارلي... في نفس الوقت سمع خبر ان أخته الصغيرة اللي عندها أربع سنين اتضربت وماتت." تنهدت وهي بترتعش وبتعض على شفتيها السفلية.
"ما عرفتش هو حس بايه. هو خبى ده كويس أوي، لدرجة ان الكل كان منبهر انه يشوفه سعيد مرة تانية بعد يوم الدفن. أهله كمان اخفوا حزنهم وحاولوا يكونوا سعداء. لو سألتهم ازاي حاسين، كلهم ردوا 'الملاك لازم يرجع لبيته في وقت ما'. هو عمره ما قال أي حاجة عن اليوم ده لحد دلوقتي. بالرغم من انه بيتظاهر، في وقت ما لما رحت عنده وخلصت ونامت متأخر، سمعته بيصرخ باسم أخته في نومه، والدموع بتنزل على خده. سألته الصبح عن الموضوع، بس اتّهمني اني بحلم بس."
"مش شكله واحد يخبي أي حاجة." قال آيس وهو بيشرب اللي باقي كله. "هو فعلًا بيقول اللي بيفكر فيه. يمكن بيقوله ليا بس..."
"لأ. هارلي ممكن يقولك هو حاسس بإيه على طول، ومش هيخبي أي حاجة." هزت راسها وهي بتضحك شوية. "هو كتاب مفتوح... بس كتاب مع كتاب تاني جواه. كتاب مع قفل. فيه حاجات بيخبيها ساعات. بس ده غالبا عشان هو شايف ان ده هيأذي اللي بيسمع." ضغطت على شفايفها بينما آيس هز راسه بهدوء وبص عليها.
"أمل!" صاحت بينيلوب بابتسامة عريضة على وشها وهي بتعرف تتخطى الناس اللي بترقص ووصلت ليها. فجأة، عبست وهي بتبص على أمل اللي رفعت حواجبها ليها. "عملتي ايه في هارلي؟" سألت وهي بتبص على أمل اللي بصت على الأرض.
"زعقت له عشان مش بيدعمني." همست أمل وهي بتبتسم بخجل. "هو زعلان؟"
"أشك إن ده بس اللي قولتيه." قالت من بين أسنانها بينما آيس رفع حواجبه بدهشة. بيتساءل ازاي الست الجديدة دي اللي شكلها بتخلي أمل تخاف منها.
"أنا... بالغلط قولت له انه بيضايقني." تنهدت بضعف وبصت عليها. "كنت عايزة أعتذر..." بينيلوب تجاهلتها وبصت على آيس اللي عيونه اتعلقت بعيونها.
"يعني انتِ اللي بتخربي كل حاجة بشتغل عليها بجد؟" همست بينيلوب وهي بتشاور على آيس اللي قطب حواجبه في سؤال.