الفصل 76: لا يمكنني أن أفهم كيف فكر
نظرة الرجل كانت حادة بشكل فظيع، نظرة واحدة بس تخلّي الكل يحسّوا بالنقص، حتّى إنهم يخافوا يسووا أبسط الأشياء.
الشمس اللي كانت بتطلع عليه ما خلّتش فيه قرب، بالعكس زادت البرودة.
لمّا دقّقنا، كان شكله وسيم بشكل خرافي و عنده طبع مش عادي. ده أكيد كان بنجامين.
في إيديه، كان ماسك كومة أوراق، بيراجعهم و في نفس الوقت مركز في حركة العربية اللي فيها مارتينا.
حتّى سيمون ما قدرش يساعد نفسه غير أنّه يحسّ بالأسف على مديره. مع مكانة المدير، متى هيضطرّوا يعاملوا حد بالاحترام ده؟ الآنسة مارتينيز كانت الاستثناء. المدير كسر حواجز كتيرة عشانها.
الآنسة مارتينيز بجد ما بتقدرش قيمة الوضع المحظوظ اللي فيه. سيمون تساءل، لو المدير مستعد يعامله بالطريقة دي، ولو كان هو بنت، يمكن ما كانش هيقدر يقاوم الإحساس.
بس الآنسة مارتينيز صمّمت تمشي في طريق مش تقليدي. في الموقف ده، مش بس مافيش جاذبية، بس هي كمان عايزة تبعد و تمشي.
إيه اللي بيحصل؟ يمكن الآنسة مارتينيز زهقت و بتدور على شوية إثارة؟ ده بجد محيّر!
"يا مدير، نكمل نتبع؟ شكله الآنسة مارتينيز عايزة تروح تتسوّق"، قال سيمون.
ما كانش فيه داعي يقول أكتر، لأنّ بنجامين كان فاهم. من غير ما يبصّ وراه، بنجامين لسه أصدر أمره، "كملوا تتبع، مش أوى، بس اتأكدوا ما تضيعوش الأثر."
سيمون هزّ راسه، عدّل السرعة لسرعة ثابتة نسبياً، و كمل تتبع عربية مارتينا طول الطريق.
مشى بحذر، محافظ على مسافة لا قريبة أوى و لا بعيدة أوى، عشان يمنع مخاطرة إنهم يفقدوا النظر فيها من غير قصد.
في الحقيقة، سيمون ما كانش شايف إنّ ده ضروري لأنّ الآنسة مارتينيز كان معاها ليلى، فما كانش فيه أي مشاكل.
بس المدير صمّم يعمل كده، ضد نصيحة الكل. لو ما كانش عشان الحقيقة إنّ الآنسة مارتينيز مهمة بجد للمدير، كان لازم يمشي في كل المشاكل دي؟
أو يمكن المدير كان ببساطة يرفض طلب الآنسة مارتينيز إنها تخرج و يخلّيها في البيت، اللي كان هيبقى أحسن للكل و يوفر وقت. بس المدير ما عملش كده.
سيمون تساءل إيه اللي كان بيمشي في عقل المدير عشان يوافق على طلب مارتينا. بس المدير لسه ما كانش مرتاح و صمّم يفضل يتبعهم.
المدير و الآنسة مارتينيز واضح إنّ بينهم مشاعر، بس اتحوّلت للموقف الحالي، اللي بقى مش معقول أكتر و أكتر.
سيمون نفسه ما دخلش في علاقة قبل كده، عشان كده ما كانش فاهم كل التفاصيل اللي فيها. هو بس كان شايف إنّ بنجامين كويس بجد مع مارتينا. عشان كده، كان بيعتقد إنّ مارتينا محتاجة تكبت كل عدم الرضا اللي جواها و تفضل جنب بنجامين زيّ حيوان أليف مطيع.
بس من الأول للآخر، ما حدش اهتم إيه هي أفكار مارتينا الحقيقية و إذا كانت سعيدة بجد جنب بنجامين. هي بس كانت عايزة احترام أساسي، بس حتّى تحقيق الشكل الأساسي ده من الاحترام كان يبدو صعباً جداً.
سواء كان قبل أو دلوقتي، ما حدش اهتم أبداً بمشاعر مارتينا. هم بس اهتمّوا إيه اللي بنجامين بيفكّر فيه.
مكان اللقاء اللي مارتينا و إيلينا اتفقوا عليه كان كافيه جنب مول تسوّق كبير. القهوة كان ليها طعم غني و فريد من نوعه هناك، اللي مارتينا و إيلينا استمتعوا بيه في الماضي.
بس، التواصل بينهم قلّ بسبب تدخل بنجامين، و هما تدريجياً بطلوا يجوا هنا كتير.
دلوقتي إنهم رجعوا أخيراً للمكان ده، جاب إحساس مختلف جداً لمارتينا.
أول ما مارتينا دخلت الكافيه، شافت إيلينا بتستنّاها على ترابيزة جنب الشباك. إيلينا حتّى افتكرت و طلبت المشروب اللي مارتينا بتحبّه بالفعل.
ابتسامة حقيقية أخيراً ظهرت على زاوية فم مارتينا. دي كانت أول مرّة من ساعة ما رجعت، إنها قدرت تسيب تصنّعها و تبتسم بصدق.
ليلى تبعتها من ورا، مش قريب أوى و لا بعيد أوى. لو ما كانش عشان القلق من إنّه يتفهم على أنّه ملاحق، يمكن كان لزق أكتر.
عشان يخلّي نفسه يبدو أقل إحراجاً، ليلى طلب كمان كوباية قهوة لنفسه. بس، هو في الحقيقة ما كانش بيقدّر طعم القهوة دي. كان شايف إنّها مُرّة و طعمها غريب. لو ما كانش بيتبع مارتينا، يمكن ما كانش فكّر يشربها طول السنة.
ليلى قعد في مكان بيقدر فيه يشوف حركة مارتينا بوضوح. ده سمحله يراقب حركتها عن قرب من غير ما يلفت النظر أوى لنفسه.
إيلينا لاحظت على طول وجود ليلى و شدّت مارتينا تقعد معاها، و عبّرت عن عدم رضاها و هي بتبصّله بغضب. "ليه الراجل ده بيتبع كده أوى؟ خايف إنّ ناس ما تعرفش عن وجودك و وجودي؟"
مارتينا لوّحت بإيدها و حتّى ما بصّتش في الاتجاه ده. "هو بس بيتبع القواعد. تجاهليه و اتعاملي كأنّه مش موجود."
السبب الأساسي في الأحداث دي كان بنجامين. على الرغم من إنّ مارتينا كانت مش راضية عن الوضع الحالي، هي مش هتوّزع غضبها بشكل عشوائي. كان فيه سبب ورا كل ظلم. لو مارتينا كانت هتفرّغ إحباطها، هيوجّهه أكيد لبنجامين. بالنسبة للآخرين، هم بس اتمسّكوا في الاشتباك.
إيلينا بدت إنها فاهمة نيّات مارتينا. غير إنها حضنت مارتينا برفق، هي ما كانتش عارفة إيه تاني تقوله في اللحظة دي.
بسبب إنّ حد بيتبعهم، إيلينا ما تجرأتش تتكلم بشكل واضح أوى. كان لازم توطّي صوتها عشان تتواصل مع مارتينا. "بنجامين بجد حاجة. ليه بيمثل بشكل مجنون كده المرة دي؟"
بس بعدد المرّات اللي مارتينا هربت فيها من البيت، إيلينا فقدت العدّ. بس في الماضي، بنجامين عمره ما كان هيدوّر عليها بنفسه. في أحسن الأحوال، كان بيتصل و يطلب من مارتينا إنها ترجع أو يبعت لها هدية. حوادث هروبها كانت دائماً بتُترك من غير حل.
بس المرة دي، كأنّ بنجامين حسّ بحاجة مقدماً. كان بيتبع مارتينا طول الطريق، مش راضي يسيب أي فرصة، حتّى لو معناها يرهق نفسه.
كان بجد مش معقول. هل ده نفس مدمن الشغل اللي يقدر يتخلّى عن كل حاجة عشان شغله؟
مارتينا نفسها ما كانتش فاهمة إيه اللي بيحصل في عقل بنجامين. هي عمرها ما كانت هتفكّر إنّها مهمة ليه. هي بس كانت بتتساءل إذا كان فقد عقله، و اختار يدور عليها و يدفعها للحد ده بدل ما يستمتع بحياة كويّسة.