162
"كم واحد باقي لي؟" تمتمت **جينا** وهي قاعدة في مكتب النحل وبتراجع بطاقة دعوة الزفاف اللي بقت معاها. كان عندها اجتماع مع مخطط الزفاف بعد كم ساعة و لازم تقولها عدد الناس اللي بتخطط إنها تعزمهم. **جينا** تجمدت، ولما حد جه في بالها... **أمي**... ما شفتيهاش من سنين و بتتساءل لو هتيجي فرحها لو عزمتها. الفكرة خلت **جينا** تسخر. ما اتصلتش بيها من زمان أوي... جزء منها كان فضولي إنه يعرف أخبارها و لو بتفكر فيها كتير. **أبو جينا** قال إنها حتى ما حاربتش عشان تاخدها معاها. هل كانت بتبغضها للدرجة دي؟ هي لسه بنتها... **جينا** أخدت مفاتيح العربية و شنطتها. كانت عايزة خاتمة. كانت عايزة إجابات لأسئلتها. كانت عايزة تكمل حياتها من غير ما يكون عندها أي ندم تاني... كانت تعبت و زهقت من محاولة التعامل مع كل اللي عمله معاها أهاليها. اتصلت عشان تلغي الزفاف، و بتخطط تأجل اجتماعهم و هي ماشية لعربيتها...
طلعت نفس عميق أوي و هو دخل عربيتها... **جينا** كانت على وشك تتصل بـ **تشارلز** و تحكيله عن اللي بتخطط تعمله، بس قررت لأ. قررت تحكيله على كل حاجة بعد ما تقابل **أم جينا**. شغلت موتور العربية و راحت في مشوار طويل للمكان اللي عايشة فيه **أمها**... أخد منها كام ساعة، بس أخيرًا وصل... **جينا** قعدت في عربيتها، و عينها على البيت اللي كانت زارته من كام سنة... البيت لسه بيبص بنفس الطريقة اللي افتكرتها... الباب الأمامي بيبص بنفس الشكل... نفس الجنينة لسه موجودة هناك، و الورد اللي بتحب تزرعه لسه موجود و مزهر. **أبو جينا** كان بيكره لما **أمها** تقضي معظم وقتها في جنينتهم، و بتزرع أزهارها المفضلة... كان بيسخر و بيسميها مضيعة كاملة للوقت لما بتوريه شغلها، و **جينا**، حتى و هي طفلة، لسه فاكرة النظرة الحزينة اللي كانت على وش **أمها**... كانت أخيرًا قادرة تعمل اللي هي عايزاه من غير ما تتحاكم، و ابتسمة حزينة ظهرت على وش **جينا**. إحساس بالذنب طلع في قلبها لما فكرت في إن ظهورها المفاجئ ده هيكون إزعاج في الحياة المثالية اللي بيبدو إن **أمها** عايشاها مع عيلتها الجديدة. **جينا** فكرت في نفسها كـ ماضي مؤلم لـ **أمها**. ماضي **أمها** مش عايزة تشوفه و تفتكره، و أذاها إنها تفكر بالطريقة دي عن نفسها... هي ما كانتش عايزة تكون ماضي مؤلم. كانت عايزة تكون حد **أمها** بتشتاقله و بتندم إنها سابته وراها، مش حد عايزة تتخلص منه و ما تشوفهوش تاني أبدًا... حتى بعد كل ده، بيوجع...
**جينا** قبضت إيدها و هي بتنزل من عربيتها... شنطتها كانت في إيدها التانية و هي ماشية ببطء ناحية الباب الأمامي لبيت **أمها**... وقفت هناك لأكتر من دقيقة، و إيدها بتروح للدربيل و مش بتدقه. ده فضل يحصل كام مرة، و **جينا** دارت عشان تمشي، بس رجليها ما كانتش عايزة تتحرك... ما كانتش عايزة تشوف. قلبها كان بيشتاق إنه يشوف **أمها** تاني بعد كل ده. كانت عايزة تشوف أخبارها. لو كبرت شوية...
**جينا** أخيرًا دارت تاني للباب و دست على الدربيل... وقفت هناك في صمت، و قلبها بيدق بعنف في قفصها الصدري و هي بتستنى **أمها** تفتح الباب... حسيت كأنها أبدية، بس كانت مجرد كام ثانية قبل ما تسمع قفل الباب بيدور... قلبها كاد أن يسقط و هي واقفة هناك في ترقب و بتستنى... بتستنى تشوفها تاني مرة... **جينا** كانت سامعة ضحكات سعيدة و الباب بيتفتح و قلبها كاد أن يغرق. كانت عارفة مين أصحاب الضحكات دي. كانت بتخص العيلة الجديدة...
و بعدين أخيرًا شافتها... كان عندها ابتسامة على وشها، بس الابتسامة اختفت فورًا زي ما لو ما كانتش موجودة بمجرد ما عينها نزلت على **جينا**... **جينا** شافت و هي عين **أمها** بتتسع في صدمة، صدمة إنها تشوف بنتها المنفصلة واقفة على بابها الأمامي... "بتعملي إيه هنا!" سألت بصوت بارد، و **جينا** حست إن معدتها بتتقلب... "**أمي**،" بدأت بصوت واطي لما سمعت صوت جاي من جوه البيت... "**أمي**! مين ده؟" سمعت بنت بتسأل. "ولا حد يا حبيبتي، مجرد بائع" **أمها** كدبت، و **جينا** حست إنها خدت صفعة على وشها... حست إنها تختفي من المكان اللي كانت واقفة فيه و ندمت فورًا على ده. كانت متوقعة إيه، كان مفروض إنها عارفة... هي مش مطلوبة هنا... كانت زي الدخيل... **أمها** قفلت الباب وراها و خدت خطوة لقدام، وده خلى **جينا** تاخد خطوة لورا منها على طول... **جينا** حاولت تعمل أحسن ما عندها و تمنع الدموع إنها تنزل من عينيها... ما قدرتش تعيط، ما قدرتش تخليها تعرف إنها مجروحة، ما يهمهاش... **جينا** فضلت تقول لنفسها مرة ورا التانية في عقلها...
**جينا** شافت و هي **أمها** بتمسك إيدها و بتبدأ تاخدها بعيد عن بيتها، بس **جينا** وقفت في مكانها لما مشوا مسافة قصيرة بس... و قدرت تشوف نظرة عدم الرضا اللي ظهرت على وش **أمها** بسبب اللي هي عملته... مسكت شنطتها و بلعت ريقها... "مش هقدر أخليهم يشوفوكي. هما ما يعرفوش عنك. هيتصدموا و هيزعلوا لو شافوكي،" **أمها** تمتمت بصوت واطي، بس **جينا** ما كانش يهمها لو شافوها أو لأ...
"مش هفضل هنا كتير، أنا بس جيت أديكي حاجة،" قالت **جينا** لـ **أمها**، و **أمها** أخيرًا سابت إيدها. الإيد اللي ما مسكتهاش من سنين... **جينا** تنهدت بعمق و هي بتمد إيدها لشنطتها و طلعت دعوة الزفاف...
عين **أمها** راحت عليها، و أخدت خطوة لورا فورًا، و **جينا** عضت على شفايفها... "هتجوز قريب، و ياريت تيجي،" قالت **جينا**، و عينيها مليانة ترقب للي هتكون إجابة **أمها**. قلبها بيدق بجنون في صدرها و هي بتستنى إجابة **أمها**.