ثمانية
جلست **جولييت** قدام التلفزيون تحاول تشتت نفسها، بس ما قدرت تركز على الفيلم، وعقلها كله كان مشغول بشي تاني، أو بالأحرى بشخص تاني… **أليكس**.
ليه ما تقدر توقف تفكر فيه؟ هو بس شخص كويس، وما فيش أكتر من كده. بس هو بشكل غريب ريحها. حست براحة في قلبها لما كانت معاه، لأنه معاها ما تقدر تخبي مشاعرها اللي جواها. كانت ضعيفة لما كانت معاه، وجزء منها كره ده. لو استمر يظهر، ما كانتش عايزة تبدأ تعتمد عليه شوية شوية. غريب، هل لسه غريب دلوقتي؟ أيوة! هو غريب، هي بس تعرف اسمه، وده كل شي. تنهدت وضتّي صوت التلفزيون… ليه ما تقدر توقف تفكر فيه؟!
رنّ موبايلها، فزّت شوية. مسكته وشافت إنها رئيسها. الموعد النهائي! كانت نسيته خالص. تنهدت بضيق، واستنتى موبايلها يرنّ للآخر… بس بدأ يرنّ تاني بعد كام ثانية، وعرفت إنها ما تقدر تتجاهله. مسكت الموبايل وردت على المكالمة.
"هاي **جولييت**. فكرت إنك مش هتردي," قالت **سونيا**، رئيسها اللي ما بتفلترش.
"ما سمعتش موبايلي بيرنّ أول مرة، وكنت هكلمك تاني," سمعت **جولييت** **سونيا** تتنهد في آخر الخط، واستنتجت إنها بتحاول تبقى هادية وما تصرخش عليها، وده كان صعب شوية على **سونيا** إنها تعمله.
"أنا عارفة إن كل ده أخد من وقتك كتير يا حبيبتي، بس أنتِ عارفة إن عندنا موعد نهائي لازم نخلصه، وما فاضلش غير كام يوم..." بدأت **سونيا**، و**جولييت** كادت تدوّر عيونها. هي بس بتفكر في الموعد النهائي. هل كان صعب أوي تاخد كام يوم إجازة؟
"أنا عارفة يا **سونيا**. أوعدك إني مش هفوّت الموعد النهائي، مش لازم تقلقي."
"أيوة، مش لازم... وأنا آسفة إني ما قدرتش أحضر العزاء يا حبيبتي. تعازي. أنتِ عارفة إن الشغل دوا فعال جدًا. بيساعدك تبعدي عقلك عن الحاجات... المفروض تجربي ده."
"شكرًا," قالت **جولييت**، وقفلت المكالمة وهي زعلانة شوية. قعدت في أوضة المعيشة بتاعتها بتحاول تهدّي نفسها، بس البيت بدأ يبقى مكتوم. ما قدرتش تتحمل أكتر. غيّرت لبسها وقررت تروح تجري جري متأخر عشان تفكّر.
_________________
_________________
وقف **أليكس** عربيته قدام بيتها، بيبص على بابها. رجع هنا تاني... ما قدرش يقعد في البيت، وانتهى بيه المطاف هنا. سلامة النفس اللي لقاها. تنهد وهو بيفكر في اللي هتقوله لو شافته تاني. هل هيبان كإنه معتوه ساعتها؟ كان لسه شايفها من شوية، بس رجع تاني، بيهرب من واقعه ورايح لواقعها.
بابها الأمامي فتح قريب، وشافها وهي طالعة من بابها وراحت تجري. **أليكس** خرج من عربيته ومشى وراها شوية شوية. خطواته بطيئة وثابتة. عيونه عليها وهي بتوقف جري عشان تاخد نفسها.
قدر يقابلها المرة دي، وهي أخيرًا شافته بيقرب. ما استنتش ولا حاولت تتكلم معاه، بس بدأت تجري، بس بعدين وقفت عشان كانت تعبانة أوي، وبدأت بدل ده تمشي بسرعة. **أليكس** لحقها قريب، وهي وقفت مكانها...
**جولييت** وقفت جري، ودارت عشان تبص عليه. "ليه بتعمل فيا كده؟" قالت، بتحاول ما تخبيش الضيق في صوتها. "أنا بعمل إيه؟" حاول **أليكس** يتصرف كأنه ما يعرفش هي بتتكلم عن إيه، بس ده مش هينفع. هي كانت خلاص على وشك إنها تزعل.
"ليه بتظهر على طول؟ عايز إيه مني؟ قلتلك إني كويسة!" قالت، وهي تقريبًا بتزعق. قدرت تشوف نظرات فضول من كام واحد عدّوا جنبهم، بس ده ما كانش همها الأساسي دلوقتي. حاول **أليكس** يمسك ضحكة وهو بيمشي إيده في شعره. كان بيسأل نفسه نفس السؤال، إزاي يقدر يديها إجابة؟
"أنا بس جيت للشغل. الحديقة مكان عام," سخرت **جولييت**. ما قدرتش تصدقه. هل كان بجد متوقع إنها تصدق ده؟
"مش عارفة أقول إيه دلوقتي، بس من فضلك ما تمشيش ورايا," قالت بحزم، ومشيت، بس قدرت تسمع خطوات بطيئة وراها... دارت، وعملت المرة دي تبص عليه، و**أليكس** على طول رفع إيده في الهوا كأنه مستسلم.
"أنا همشي في الطريق ده."
**جولييت** دارت ناحية الطريق اللي كانت رايحه فيه، وبعدين بصت عليه. كانت تقدر تتجنبه لو مشيت في الطريق التاني، بس كانت متأكدة إنها هتغمى قبل ما توصل بيتها. هيكون بعيد أوي. تنهدت وبصت له بغيظ.
"بس ما تكلمنيش."
**أليكس** هز راسه، ومشى وراها شوية شوية بابتسامة على وشه، وهما ماشيين في صمت بيعدّوا على كام واحد...
**جولييت** ما قدرتش تتحمل الصمت أكتر، ووقفت في مكانها. دارت تبص عليه، وهو كمان وقف، وكان بيبص عليها... ترددت كام ثانية قبل ما تسأل أخيرًا.
"أنت من هنا؟" **أليكس** هز راسه، وهي هزت راسها. "افتكرت. ما تبانش إنك من هنا."
"طيب، أنت منين؟" كملت، بتحاول تخبي الفضول في صوتها.
"مكان، بس مش هنا," رد **أليكس**، وهي بصت بغيظ أكتر. كان بيحاول يتهرّب من سؤالها. هل كان من النوع اللي لازم ما تعرفش عنهم حاجة، أو يمكن هو مطلوب من الشرطة؟ شهقت في عقلها من أفكارها. كادت تضحك بصوت عالي، بس قدرت تمسك نفسها...
"لو مش من هنا، يبقى ليه هنا دلوقتي؟" وبدأت تمشي تاني، و**أليكس** لحقها بهدوء. "ظهرت في المكان ده بالصدفة مرة بالليل، وقابلت حد," رد بصدق. **جولييت** بصت عليه. هل كانت هي؟ في الليلة اللي شافته فيها...
"و... المفروض ما تكونش هنا."
"لأ، أعتقد إني المفروض أكون... أنا بحب هنا," قال **أليكس**، والابتسامة على وشه وسعت لما بصت بعيد.
"ما فيش كتير يخليك تحب هنا." ما كانش في كتير يخليك تحب مكان زي ده. هل كانت الجيران اللي بيتدخلوا في اللي مالهمش فيه؟ أو نظرات الناس هنا في أي وقت تعدّي فيه؟ هي كرهت هنا، بس ما تقدرش تدفع عشان تنتقل لسه. ما عندهاش فلوس كفاية عشان الانتقال الكبير اللي عايزاه. مع كل اللي حصل، ده رجّعها لورا أوي، واضطرت تنقب في مدخراتها عشان ما تخسرش البيت لما أمها كانت مريضة، ودلوقتي أمها مشيت، وهي هنا، وما عندهاش مكان تختبي فيه. الشخص الوحيد اللي ما كانش بيتدخل أوي هو **فلورنس**، بس هي بتتجوز، وانتقلت لمدينة جديدة قبل كام يوم. دلوقتي هي لوحدها بجد، وما عندهاش حد تتكلم معاه غير الغريب ده.
ما تقدرش تهرب للشغل، لأنها بتشتغل من البيت.
"أنتِ ما بتحبيش هنا," قال **أليكس**، وهو بيقطع أفكارها كأنه بيقرأ عقلها. "أيوة، أنت صح، أنا بكره هنا."
فضلوا يمشوا، و**جولييت** ما لاحظتش إنهم وصلوا لبيتها غير لما قررت تبص حواليها. وقفت وبصت له.
كانت هي اللي بتخرف حتى بعد ما قالت له ما يتكلمش معها...
"دي محطتي," قالت، مستنية إن يمشي، بس **أليكس** مشي معاها لباب بيتها الأمامي.
**جولييت** وقفت قدام بابها، وضايقت عيونها شوية عليه. "ما ينفعش تدخل."